الوظائف السياسية أنبل الوظائف الإنسانية

الوظائف السياسية أنبل الوظائف الإنسانية
بقلم غياث أحمد دك
رجح ابن خلدون خيرها على شرها، فوصف الانسان من حيث هو انسان بأنه (الى الخير وخلاله أقرب، والملك والسياسة إنما كانا له من حيث هو إنسان أنها خاصة للإنسان لا للحيوان. فأذن خلال الخير فيه هي التي تناسب السياسة والملك، اذ الخير هو المناسب للسياسة). (ابن خلدون)
إن الوظائف السياسية الرئيسية كالوظائف الحكمية أو القيادية أو التوفيقية أو التنظيمية أو التشريعية أو التنفيذية أو التقريرية هي من أنبل الوظائف التي يمكن أن يضطلع بها الانسان، ولا يكفي أن تسوء السياسة في زمان ما، أو أن تسوء ممارسة السياسيين لها في مكان ما، لنصدر حكماً مطلقاً على السياسة والسياسيين، فنقول: (ما دخلت السياسة شيئاً إلا وأفسدته). فإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد مارس كل منهم السياسة وهو يبشر بالرسالة. وهم في نظرنا أئمة الصلاح والاصلاح في كل زمان ومكان. ومن الأقوال العربية السائرة ((ولما يزع الله بالسلطة (الساسة) ما لا يزع بالقرآن).
وليس التنديد بالسياسة السبيل لاستدراك فساد السياسيين، ولكن السبيل القوم هو دراسة السياسة دراسة علمية منهجية تساعدنا على أن نوجهها وجهة الخير التي نتمناها وقد عانينا حتى الأن أقسى المعاناة من انشقاق مجتمعنا الى اقلية حاكمة وأكثرية محكومة تباعد بينهما أشد الفواصل النسبية والاقطاعية والمالية، وتعيش الأولى حياة استبداد والرغد والترف بينما تعيش الثانية حياة الطاعة والحرمان والبؤس، وتستأثر الاولى من السياسة بالاستبداد والأمر بينما لا يصيب الثانية منها الا الخضوع والاذعان.
وقد عبر الكواكبي عن عواقب هذا الانشقاق، وعواقب الاستبداد الذي ينتج عنه في فكرنا وحياتنا واخلاقنا، فقال: (الاستبداد لو كان رجلاً يحتسب وينتسب لقال أنا الشر، وأبي الظلم وأمي الاساءة، وأخي الغدر، وأختي المسكنة، وعمي الضر، وخالي الذل، وابني الفقر وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة). (العقاد)
وهذه الصفات نفسها التي يردها الكواكبي للاستبداد ينسبها الوجدان العام للسياسة، لأن السياسة أكثر ما كانت عندنا استبدادية، فهي مرآة تحاسدات الحكام ومنافساتهم ومنازعاتهم ومخا دعاتهم ومساوماتهم ومناوراتهم ومؤامراتهم وجرائمهم وتتفرج الأكثرية عليهم، وكأنها مجموعة من المشاهدين أمام رواية في مسرح غريب، فلا يظهر في الرواية إلا فساد ابطالها، فتصبح السياسة كلها مرادفة للفساد. ولذلك ندرس اليوم علم السياسة، لنعيد النظر في هذه النظرة للسياسة على ضوء التجربة السياسية الانسانية بكاملها، لا على ضوء فترات أو حالات منها دون الأخرى.
ولا يمكن أن يستبدل قادة الأمة السياسيون بقادة اداريين أو فنيين أو دينيين أو عسكريين، فلجميع هؤلاء وظائفهم التي تختلف عن وظائف السياسيين، والتقدم التكنولوجي الخارق ينازع السياسة بعض وظائفهم ولكن هذا التقدم يجرى في سياق سياسي معين، ولذلك تظل وظائف السياسيين أرحب الوظائف الاجتماعية وأعقدها وأوسعها وأغناها، والفنيون الذين يحلون محل السياسيين يصبحون هم أيضاً الى حد ما سياسيين.)
ولذلك يظل عمل السياسي شاملاً ومتنوعاً شمول الحياة وتنوعها، فيتناول جميع فروع الحياة من أصغرها الى أكبرها، فقد تمس سلطة التقرير السياسي مصير ينبوع من الماء في حديقة المنزل كما تمس مصير ينبوع الحياة في نفس الانسان وقد تتعلق بها حياة الطيور كما تتعلق بها حياة الأمة بكاملها، (فليس من شيء يكونه الانسان أو يفعله يخلو من معنى سياسي)
بل ان قرار رئيس الدولة الذرية بأطلاق الحرب الذرية أو بالامتناع عنها قد يتوقف عليه بقاء الحياة الانسانية أو زوالها، ولا يعني هذا ان المقرر السياسي اختصاصي في جميع أمور الحياة، ولكنه الاختصاصي في صنع القرارات التي تمس جميع هذه الأمور. ولن نستفيد كثيراً من اتهام السياسيين بأنهم لا يفقهون الأمور التي يتخون قرارات بشأنها. والأفضل من ذلك أن نفقه عملية صنع القرارات والملابسات التي تحيط بصنعها وتحيق بصانعيها، لنتوصل الى تحسين هذه العملية وتحسين ملابساتها. وهذا ما يحاول علم السياسة أن يقوم به.

عن ndhb6iU8LS

شاهد أيضاً

الملل والياس وقلة فرص العمل مخاطر تهدد حياة الشباب

الملل والياس وقلة فرص العمل مخاطر تهدد حياة الشباب من المؤسف ان جيل الشباب المبدع …