تاريخ الدستور السوري

تاريخ الدستور السوري

بقلم عبد المنعم الحميدي
يعتبر الدّستور في كلّ دولة من دول العالم المظلّة الّتي يأوي إليها جميع المواطنين وصيغة التّفاهم الّتي يتفق عليها الشّعب ليعيش حياة مستقرّة ولا يظلم فيه فرد أو جماعة أو أي مكوّن من مكوّنات الشّعب ولمعرفة الحزب الوطنيّ للعدالة والدّستور. بأهمية هذه القضيّة أولى اهتماما بقضية الدّستور وجعلها عنوانا رئيسيّا في مسمّى الحزب.
وفي هذا البحث نحاول أن نتعرّف على تاريخ الدّستور السوريّ لما لذلك من أهمية في وضع دستور جديد عصري بناء على ما تقدّم من الدّساتير الّتي عاش في ظلّها الشّعب السوريّ قبل أن تتسلّط عليه العصابة الحاكمة في سورية وتفصّل دستورا على مقاسها وتعدّله في لحظات إذا لم يناسبها.
1-منذ الفتح الإسلاميّ لبلاد الشّام أصبحت الشّريعة الإسلامية هي الدّستور المطبّق وبقي كذلك خلال العصر الرّاشدي والأموي والعبّاسي حتى نهاية الدّولة العباسيّة حيث فرض هولاكو عام 656 ه‍.1258م.(الياسق) وبقي سنتين.
ثم عادت الشّريعة الإسلاميّة هي الدّستور خلال العصر المملوكي ثم العثماني وبقي الحال كذلك حتّى ضعفت الدولة العثمانية ففرضت الدّول الأوربيّة تعديلات على الدّستور في عهد السلطان عبد المجيد عام 1839م.عرف(خط همايون الأول) وذلك بالصلح الذي تمّ بعد الحرب الّتي جرت مع والي مصر محمّد علي باشا.
ثم فرضت تعديلات دستوريّة من الدول الأوروبيّة على السلطان عبد العزيز عام 1856م.عرف (خط همايون الثاني
) بعد حرب القرم مع روسيا.
واستمرّ الضغط الأوروبيّ حتّى أصدر السلطان عبد الحميد الثاني دستورا عام 1876م.وبعد انهيار السلطنة العثمانيّة عام 1918م.انفصلت سورية.
2-وبعد تشكيل أوّل حكومة برئاسة رضا باشا الرّكابي عام 1918م، تمّ انتخاب المؤتمر السوري وانبثق عنه لجنة دستوريّة مؤلّفة من عشرين عضوا برئاسة هاشم الأتاسي لوضع مشروع دستور مؤلّف من 147مادّة حيث تم عرضه على المؤتمر السوري الذي أقرّ عدة مواد في 13/7/1920م.
وعند دخول الاحتلال الفرنسي 24/7/1920م. تمّ تعطيل الدّستور، وفي فترة قيام الثورة السوريّة عام 1925حتّى 1927م، والقضاء عليها، تمّ إجراء انتخابات عامّة وانتخبت الجمعيّة التأسيسيّة المؤلّفة من سبعة وستين عضوا برئاسة هاشم الأتاسي. انتخبت لجنة دستوريّة مؤلّفة من سبعة وعشرين نائبا. فقامت بوضع مشروع دستور.
ولكنّ المندوب السامي (بونسو) عطّل أعمال الجمعيّة التأسيسيّة، وفي أيّار عام 1930م، أعلن المفوّض السامي دستورا من 116مادّة أعطى فيه امتيازات للانتداب الفرنسي وكذلك وضع دساتير للبنان واسكندرون وجبال العلويين وجبل الدّروز، ولكنّ المجلس النيابي السّوري رفض القسم على الدّستور بسبب وجود المادة 116، فقام المفوّض السامي بحلّ المجلس النّيابي وعطّل الدستور عام 1932م.
واستمرّ التّعطيل حتى عام 1936م.حيث جرت انتخابات للمجلس النّيابي السوري وأعيد العمل بالدّستور وتشكّلت الحكومة الوطنيّة الأولى، ولكن بسبب تدخل المفوّض السامي قدّم رئيس الجمهوريّة استقالته للمجلس النّيابي فقام المفوّض السّامي بتعطيل الدستور وحلّ المجلس النّيابي في 8/7/1939م.
واستمرّ تعطيل الدّستور حتى عام 1943م.حيث جرت انتخابات نيابية وقرر المجلس النيابي إعادة العمل بالدستور وإلغاء المادّة 116. وإدخال جبال العلويين وجبل الدروز في الدولة السورية واستمر العمل بهذا الدستور بعد جلاء الفرنسيين حتى 30/3/1949م.حيث جرى انقلاب حسني الزعيم وتمّ تعطيل الدّستور وحلّ البرلمان وحلّ الأحزاب السياسيّة.
3- وقع انقلاب أديب الشيشكلي الأول واستقال رئيس الدولة ثم تراجع عن الاستقالة، واستمرت الجمعية التأسيسية بالعمل على صياغة الدستور تحت سيطرة فعلية لأديب الشيشكلي، وتم إقرار الدستور الجديد في 5أيلول/سبتمبر 1950من قبل الجمعية التأسيسية بتاريخ 2كانون الأول/ديسمبر ،1951تولى أديب الشيشكلي مهام رئاسة الدولة بعد انقلابه العسكري الثاني. فوضع مشروع دستور باسم المجلس العسكري الأعلى ووجه كتاباً بتاريخ 16حزيران/يونيو ،1952إلى فوزي سلو الذي كان يمارس سلطات ّ رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع الوطني واختصاصاتهم، طلب فيه استفتاء الشعب بمشروع الدستور المقدم وفق هذا الكتاب وباتخاذ الإجراءات اللازمة. ووسط رفض المعارضين الذين دعوا إلى عصيان مدني أعلنت الحكومة حالة الطوارئ، كما نظمت الاستفتاء المطلوب يوم السبت الحادي عشر من تموز/يوليو ،1953وكانت النتيجة الموافقة على الدستور وعلى تنصيب الشيشكلي رئيساً للجمهورية، وبعد مغادرة الشيشكلي في 25/2/1954م، استلم هاشم الأتاسي رئاسة الدّولة واستؤنف العمل بدستور عام 1950م، واستمرّ العمل بالدّستور حتّى قيام الوحدة مع مصر وفي 5/3/1958م.أعلن الرّئيس جمال عبدالنّاصر الدّستور المؤقّت المؤلّف من 73مادة، وعندما حصل الانفصال في 28/9/1961م.تمّ تكليف حكومة مدنيّة وقامت بوضع دستور مؤقّت وافق عليه الشعب في استفتاء 2/12/1961م.وقام بانتخاب المجلس التّأسيسي والنّيابي لوضع دستور دائم وأقرّ إعادة تطبيق دستور 1950م.مع بعض التعديلات.
4-وبعد انقلاب 8/3/1963م. بدأ الحكم الدّيكتاتوري حيث قام أعضاء اللجنة العسكريّة السريّة بوضع السّلطة بيد (المجلس الوطني لقيادة الثّورة) وهو مكون من عشرين شخص اثنا عشر شخصا بعثيّا وثمانية أشخاص ناصريين مستقلّين.
وبدأ التخلّص من النّاصريين والمستقلّين، وفي 25/4/1964م.تمّ وضع دستور على مقاس الانقلابين، فتمرّدت مدينة حماة حيث جعل هذا الدستور السلطة السياسية بيد (المجلس الوطني لقيادة الثورة) وجعل السلطة الإدارية بيد مجلس الوزراء. وبدأ في هذه الفترة التّنافس بين البعثيين العسكريين ضد البعثيين المدنيين وذلك بعد إبعاد غير البعثيين عن الحكم.
وفي انقلاب 23/2/1966م.تمّ إيقاف العمل بالدّستور بقرار من القيادة القطريّة لحزب البعث، عرف بالقرار رقم 1 وأصبح القرار رقم 2 الصادر عن القيادة القطرية هو بمثابة الدّستور، فأصبحت السّلطة السياسيّة (القيادة القطريّة) هي من تعيّن رئيس الدّولة ورئيس الوزراء والوزراء، أمّا السّلطة الإداريّة (رئيس الدولة ومجلس الوزراء) تصدر المراسيم التشريعيّة.
وفي 1/5/1969م، عقد المؤتمر القطري الرابع الاستثنائي لحزب البعث العربي الاشتراكي وقرر إصدار دستور مؤقّت إلى حين إصدار دستور دائم من قبل مجلس شعب منتخب على مستوى القطر يمارس دور التّشريع.
وبعد اشتداد المنافسة بين العسكريين البعثيين العلويين على الحكم في سورية حاول صلاح جديد وضع حد لنفوذ حافظ أسد الذي ازداد نفوذه من خلال تسريح الضباط المقرّبين من صلاح جديد ، وكان حافظ أسد يعلم بذلك وفي 12/11/1970م قام باعتقال صلاح جديد والرّئيس نور الدين الأتاسي ووضعهم في سجن المزّة وبعد أربعة أيام أعلن عن قيام الحركة التصحيحيّة، وعيّن أحمد الخطيب رئيسا للدّولة وحافظ أسد رئيسا للوزراء، وقام حافظ أسد بتعيين قيادة قطريّة مؤقّتة لحزب البعث وأصدرت لاحقا الدستور المؤقّت عام 1971م وهو نفس دستور 1969م.بعد إدخال تعديلات عليه بالمرسوم 141 تاريخ 19/3/1971، وقام حافظ أسد بتعيين 173عضوا(مجلس شعب) كلّف بوضع دستور دائم.
وفي 12/3/1971م.جرى(استفتاء شعبي) أصبح حافظ أسد رئيسا للجمهورية، وفي 12/3/1973م.عرض الدّستور على الاستفتاء فأقرّه الشّعب، فكان هذا الدّستور الذي يحكم سورية حيث لم يوضع من قبل جمعية تأسيسيّة أو برلمان منتخب مثل الدّساتير السوريّة أعوام 1920 ثم 1930 ثم 1943ثم1950 ثم 1961م، حيث كان دستورا بتعيين حافظ أسد للقيادة القطريّة لحزب البعث العربي الاشتراكي. ومجلس شعب معين من قبل قيادة قطريّة عيّنها قائد عسكري (حافظ أسد) وصل للحكم من خلال انقلاب، بعد أن نسّق مع الكيان الصهيوني صاحب النّفوذ وسلّمه الجولان 5/6/1967م وذلك منذ أكثر من نصف قرن.
عبد المنعم الحميدي.

المراجع
باترك سيل – الصراع على سورية
الحياة الحزبية في سورية – محمد حرب فرزات
المحكمة الدستورية في السورية ُ قراءة قانونية تاريخية مقارنة د. ّ إبراهيم دراجي تموز 2020

عن hasan.mh

شاهد أيضاً

الملل والياس وقلة فرص العمل مخاطر تهدد حياة الشباب

الملل والياس وقلة فرص العمل مخاطر تهدد حياة الشباب من المؤسف ان جيل الشباب المبدع …