الطاعة والإلزام السياسي في الفكر الإسلامي العربي

الطاعة والإلزام السياسي في الفكر الإسلامي العربي

وقنوات التنشئة السياسية

اعداد الباحث

غياث احمد دك

2020م

مقدمة

لقد اشتمل السياق التاريخي الذي واجهته القيم السياسية الإسلامية على المعضلتين اللتين يعاني منهما الاجتماع السياسي في كل زمان ومكان، وهما: الفوضى والطغيان، حيث عانت القيم العربية والإسلامية من فوضى مزدوجة ناتجة عن فراغ سياسي كان سائداً في شبه الجزيرة العربية، حيث لم تشهد هذه الجزيرة قيام دولة او مملكة كاملة الأركان قبل الإسلام، ومن جهة أخرى كانت المعاناة ناتجة عن طغيان ثقافي في القيم وأنظمة الحكم المحيط بالجزيرة العربية متمثلاً بالإمبراطوريات الفارسية والرومانية حيث زاحمت القيم البيزنطية والساسانية قيم الإسلام في عقر داره ومهد حضارته وعواصمه، وكيف تم توظيف واستثمار فقه الضرورات لكسب ثقة وتأييد العامة ، بل وتعدا ذلك لإضفاء صبغة مقدسة إلهية على الحكام وحكمه بعد أن كان شورى ليتحول  لملكية وتكريس الطاعة الجبرية ، ومن خلال هذا البحث سوف نتطرق إلى إلقاء نظرة على مفهوم الطاعة السياسية والإلزام السياسي والموروث الفارسي الذي دخل على الثقافة العربية الإسلامية ، والأسباب المؤدية للطاعة الجبرية وتوظيف النص الديني لصالح الحاكم وماهي القنوات  المستخدمة في التنشئة السياسية ولمحة عن علم نفس الطاعة وماهي الأمور التي ساهمت في ترسيخ الطاعة الجبرية في العقل العربي الإسلامي.

سوف نستعرض في هذه الدراسة مفهوم الطاعة السياسية في الإسلام في المبحث الأول والموروث الفارسي في الحكم الإسلامي، ومن ثم الإلزام السياسي في المبحث الثاني والمبحث الثالث التنشئة السياسية وأنواعها وقنواتها.

 

ولاً – الأهمية: تنبع أهمية هذا البحث من خلال تسليط الضوء على قضية هامة من قضايا الأمر الواقع التي فرضت نفسها على العالم العربي والإسلامي وهي تكريس الحكم الجبري وتوظيف النص الديني لفرض الطاعة للحاكم بعد أن كان أمرهم شورى بينهم.

ثانياً – هيكلية الدراسة: تقسم الدراسة إلى ثلاثة مباحث رئيسية

1-المبحث الأول: الطاعة

2-المبحث الثاني: الإلزام السياسي

3-المبحث الثالث: التنشئة السياسية

ثالثاً – فرضية الدراسة هل يستطيع الفكر العربي الإسلامي الحديث التخلص من الموروث الفارسي في الحكم والانتقال إلى الحكم الإسلامي (الشورى) أو الانتقال إلى الحكم الديمقراطي؟

رابعاً – الصعوبات والتحديات: قلة المصادر الحديثة المكتوبة في الطاع والاعتماد على موضوعات فرعية في بعض الكتب والأبحاث

خامساً – المنهج العلمي: تعتمد الدراسة على المنهج التاريخي في سرد مراحل إستلام الأمويين الحكم وتوظيف النص الديني ومن ثم الموروث الفارسي الدخيل على الثقافة العربية، وايضاُ المنهج الوصفي في الاقتباسات من السرديات.

سادساً – كلمات مفتاحية: الطاعة، الموروث الفارسي، الحكم الجبري، اردشير، الموروث الكسروي، الإلزام السياسي، التنشئة السياسية.

ثامناً – الخاتمة: وفيها ما تم استنتاجه من هذه الدراسة.

 

 

المبحث الأول

الطاعة السياسية في الإسلام

 

  • مفهوم الطاعة

 

تعريف معنى الطاعة في معجم المعاني الجامع

طاعة: مصدر طاع والطاعة هي الانقياد والموافقة، وفي الحديث الصحيح ” أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة” ويشق عصا الطاعة يتمرد ويثور.

سمعاً وطاعة: تعني رهن الإشارة وتحت الأمر، وطاعة عمياء طاعة مطلقة دون معرفة الأسباب.

وطاعة الله: عبادته والانقياد لأوامره والطاعة ضد المعصية.

إن مسألة الطاعة وهي من المسائل المهمة في الدين والسياسة والتي طراء عليها تحريف بقصد او بدون قصد، والطاعة هي امتثال الأوامر والتي تعني الرضا وعدم الكره أي المحبة.

ومعنى الطاعة في القرآن والسنة النبوية هي في الأصل فعل متعلق بأمر إلهي او توجيه نبوي وقوله تعالى ” يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون” (النحل 50) فهذه حقيقة الطاعة الأولى للملائكة قبل الخلق، وعن إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم ” فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين” وهذه صورة للطاعة الإلهية من قبل الأنبياء.

أما الأدلة الصريحة بخصوص لفظ الطاعة في القرآن الكريم الموجه للمسلمين المراد منه الإتيان بالفعل وهو دلالة على القبول والتسليم، قوله تعالى يا أيها الذين أمنوا اطيعوا الله وأطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلا” (النساء59) ومعنى الردة إلى الله والرسول هو طاعة السلطة الشرعية فللسلطة الشرعية المتمثلة بالرسول ومن بعده الخلفاء حق الطاعة على الناس في كل ما يحقق المصلحة العامة للجماعة.

والطاعة هي الشق الثاني من العقد السياسي بين الحاكم والمحكوم بعد الأمانة والعدالة، فقد أمر القرآن الكريم الحكام بأداء الأمانة والحكم بالعدل، ثم أمر الرعية بطاعة السلطة الشرعية، تأكيداً على تلك المعادلة ذات الشقين، والتي تجمع بين واجبات الحاكم والمحكوم ” أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل نعمّا يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيرا”[1]

إن ربط الطاعة بأداء الأمانات وبالحكم بالعدل فيه دلالة صريحة على أن متولي السلطة بغير رضا المحكومين لا طاعة له، إذا هو يتصرف خارج مفهوم الأمانة وداخل مفهوم الغصب في الشريعة الإسلامية.[2]

كما يدل أيضاً على أن المتصرف في السلطة بغير أمانة وعدل لا طاعة له، إذ هو ناقضٌ للعهد بينه وبين الأمة عاص ٍ لله تعالى في فعله، ولعلى الزمخشري كان ابلغ المفسرين تعبيراً عن هذا المعنى في آيتي الأمانة والطاعة، إذ وصف حكام الجور بأنهم لصوص متغلبة ورفض أي اسباغ للشرعية، أو إلزام للناس بطاعتهم. قال الزمخشري: لما أمر الله الولاة بأداء الأمانات إلى أهلها وأن يحكموا بالعدل، أمر الناس بطاعتهم وينزلوا على قضاياهم والمراد بأولي الأمر منكم أمراء الحق، لأن أمراء الجور الله ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على الله ورسوله في وجوب الطاعة.

وقد نحا الفكر الديمقراطي الغربي المعاصر هذا المنحى في مسألة الطاعة فكتب جون لوك- وهو رائد الديمقراطية المعاصرة – أن الولاء السياسي ليس إلا الطاعة وفق للقانون فإذا خرقه الحاكم لم يكن له حق الطاعة أو المطالبة بها [3]، ثم يبين لوك أن الحاكم ” يجب أن يُعتبر صورة الدولة المنبثقة من إرادة المجتمع كما تتجلى في قوانينها، فلم يكن له إذنٌ أو إرادة أو سلطة سوى إرادة القانون وسلطته، فإذا تخلى عن هذا التمثيل وعن هذه الإرادة العامة وراح يعمل وفقاً لإرادته  الخاصة فقد حط من قدره، وأصبح فرداً عادياً لا سلطة له ولا إرادة، لأن أفراد المجتمع ليسوا ملزمين إلا بطاعة إرادة المجتمع العامة.”

وهكذا فإن الطاعة السياسية في الإسلام مقيدة بقيدين قيد الشرعية وقيد الشريعة فلا طاعة لسلطان ليست نابعة من اختيار الناس، ولا طاعة فيما يخالف الشريعة حتى وإن كانت السلطة الآمرة به كاملة الشرعية السياسية.

 

 

 

المبحث الثاني

الموروث الفارسي و أخلاق الطاعة في الفكر السياسي الإسلامي

 

 

1-التأليف في أخلاق الطاعة (الطاعة أولى القيم)

إن مسألة البداية تفرض نفسها علينا في كل مرحلة من مراحل بحثنا ومن هنا سننطلق من السؤال الأول ما هو الدور للموروث الفارسي وقيمه في تكوين نظام القيم في الثقافة العربية والإسلامية.

متى وأين ولماذا أخذت قيم الموروث الفارسي في الانقال إلى الثقافة العربية؟

لقد شهد العصر الأموي بداية التأليف في القيم والأخلاق من داخل الموروث الفارسي وللإجابة على هذا السؤال لابد من فحص ولو سريع لطبيعة هذا الموروث انطلاقاً من الخطابة والرسائل التي وظفت في العصر الأموي لنشر القيم وتكريسها.

في الواقع أن المرء يندهش اندهاشاً كبيراً من ذلك الحشد من الكم الهائل من الخطب والرسائل التي تطالعنا بها المراجع والتي تعود للعصر الاموي الحاضرة في كل مكان كانت المساجد والساحات والأسواق والمجالس مسرحاً لها مثل الخطبة البتراء لابن زياد التي تكرس قيم الاستبداد القبلي والطاعة العمياء بقول بليغ مشحون بالتهديد والوعيد.

لقد شهد هذا العصر وخاصة في اخره ظاهرة أدبية وهي التراسل كان لها شأن في تكريس قيم تخدم الامويين وهي قيم الطاعة حيث كانت رسالة الخليفة تقرأ على العموم في المساجد والساحات والأسواق حيث امتزج الامر في النص البلاغي والاستشهاديات بالقرآن والحديث مما يضفي على هذه الرسالة أهمية خاصة فهي كانت وسيلة لإذاعة القيم التي تريد السلطة نشرها وتكريسها.

لقد كان لرسائل عبد الحميد الكاتب نموذجاً في الكتابة يكرس قيماً سلطانية تتكرر عبر العصور بكل ما تحمله من قيم الجبر ولزوم الطاعة للحاكم وهي القيم التي كانت تشكل اساساً لإيديولوجية الامويين[4].

وفي طور الهرم في نهاية الدولة الاموية كانت رسائل كُتابهم أقوى الأسلحة التي واجهوا بها مقالات الفرق الكلامية التي كانت كأحزاب سياسية معارضة التي كانت تنشر أيديولوجية تنويرية مضادة لأيديولوجية الجبر الاموية حيث وظفت البلاغة في قمع حاسة النقد لدى المستمع والقارئ وجعله يستسلم لترادف الألفاظ وتناغمها فتحمل المتلقي على الاستسلام لا شعورياً لما تقرره من قيم الطاعة عندما تكون الطاعة هي الموضوع سواء الطاعة ك غاية في حد ذاتها او عندما تكون وسيلة لخدمة القضية كالنهوض للجهاد والدفاع، وسيلجأ الحكام زمن الفتن والثورات إلى توظيف القيم الدينية والنصوص من أجل الدعوة وإلى التزام الطاعة التي تعني القعود والسكينة.

هنا يتحول خطاب الرسالة إلى خطاب يعج بالقيم الدينية والأخلاقية التي تتحول بتكرار الالفاظ المعبرة عنها إلى قيم نمطية تفرض نفسها على المجتمع ك عادات أخلاقية في منأى عن كل نقد وهكذا تصبح الطاعة مثلاً قيمة لا تقبل النقاش عندما يتكرر ربط طاعة الأمير بطاعة الله كما تصبح الخلافة وضعاً لا يجوز المس به عندما يتكرر ربطها ب خلافة الله.

في سنة 125 هجري عقد الوليد بن يزيد البيعة لابنيه الحكم وعثمان وكتب بذلك إلى عماله بالأمصار رسالة مطولة حررها سالم فيها عبارات مسجوعة قوية عن تسلسل اختيار الإسلام ديناً ابتداء من الله والملائكة إلى الأنبياء والرسل حتى انتهت كرامة الله بمحمد ص وتتابع خلفاء الله على ما اورثهم إلى قوله( لا يتعرض لحقهم أحد إلا صرعه الله ولا يفارق جماعتهم أحد الإ أمكنهم الله منه وسلطهم عليه وجعله نكالاً وموعظة، وكذاك صنع الله بمن فارق الطاعة التي أمر بلزومها والأخذ بها والأثرة عليها والتي تقوم بها السموات والأرض) وبعدها استشهد بالآية ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض أئتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين” قاصد بذلك إضفاء بعد كوني على مفهوم الطاعة، ويواصل الحديث عن الخلافة والطاعة بوصفهما يشتركان بنفس البعد الخليفة خليفة الله في الأرض وطاعته جزء من طاعة الأرض ومن فيها لله، فإن الله عز وجل علم أن لا قوام لشيء ولا صلاح له إلا بالطاعة التي يحفظ بها الله حقه ويمضي بها أمره، وينكل بها عن معاصيه ويوقف عن محارمه ويذب عن حرماته، فمن أخذ بحظه منها كان لله ولياً ولأمره مطيعاً.

وتتوالى العبارات المسجوعة تكرر المعنى نفسه بألفاظ مختلفة متنوعة لتقرر الطاعة رأس هذا الامر وذروته وسنامه وذمامه وملاكه بعد كلمة الإخلاص والتوحيد التي ميز الله بها بين العباد وبالطاعة نال المفلوحون من الله منازلهم واستوجبوا عليه ثوابهم” …الخ.

وهكذا يضعنا هذا النص أمام حقيقة تاريخية وهي أن أول قيمة أخلاقية سياسية \دينية، كرسها خطاب التراسل في الثقافة العربية هي الطاعة، طاعة الخليفة الذي أصبح داخل هذا الخطاب مقروناً بالله عز وجل الخليفة خليفة الله وطاعته من طاعة الله.

ونجد نص ثاني لعبد الحميد في موضوع الطاعة التي جعل منها” قيمة القيم ” كلها طاعة الخليفة فضيلة الفضائل والخلاف عليها رذيلة الرذائل” ففي طاعة الأئمة في الإسلام ومناصحتهم على أمورهم والتسليم لما أمروا به، مهم كل نعمة فاضلة وكرامة باقية وعافية متخللة وسلامة ظاهرة وباطنة وقوة بإذن الله مانعة، وفي الخلاف عليهم والمعصية لهم ذهاب كل نعمة وتفرق كل كرامة ومحق كل غنية وهلاك كل سلامة وألفة وموت كل عز وقوة والدعاء لكل بلية ومقاربة كل ضلالة واتباع كل جهالة واحياء كل بدعة وإماتة كل سنة واجتلاب كل ضرر على الامة وإدبار  كل منفعة والعمل بكل جور وباطل وفناء كل حق”.

لقد جعل الله نظام الدين الذي اختاره لنفسه الإسلام وشرعه لمن اكرمه من خلقه قوامه وعصمته الطاعة التي جمع الله فيها شعب الخير وأنواع البر ومناقب الفضل فمن أراد الله إسعاده وتوفيقه وتبصير حظه لزم الطاعة وعرف حقها وما جعل الله فيها من السعة والعصمة والمخرج ولم يكن متخوفاً للغير في دنياه”

من هنا نجد أن الطاعة هي القيمة المركزية التي كرستها رسائل سالم وعبد الحميد الكاتب[5].

ولا شك أن الدولة التي خدماها كانت في أمس الحاجة إلى الطاعة بعد أن نشبت فيها الثورات في كل جانب، فالخطاب عن الطاعة يشير إلى شيء عملي هو” العصا لمن عصا”.

حيث أننا لا نجد لخطاب الطاعة الذي ابتدعه عبد الحميد وسالم مرجعية في القرآن والحديث الذي طرحا طاعة أولي الأمر كما تجاهل الحديث النبوي تماماً في مجال الطاعة ” لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق” وطاعة أولي الامر هي طاعة تراضي واتوافق بحيث إذا حصل خلاف أو نزاع معهم وجب رده إلى الله ورسوله، فإذا استوى خلاف او حدث تنازع بين الحاكم والأمة استويا كما يستوي الخصمان عند مثولهم أمام القاضي.

والطاعة في القرآن ليست موضوع دعوة وأمر دوماً بل هي موضوع استنكار ونهي” قالوا ربنا اطعنا سادتنا وكبرئنا فأضلونا السبيل” ولا تطع كل حلاف مهين” ولا تطيعوا امر المسرفين” وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله” وليس هناك في القرآن ما يسمح من قريب أو بعيد بالربط بين طاعة السماوات والأرض لأمر الله وبين طاعة البشر ل الخليفة كما فعل سالم وعبد الحميد.

ومن جهة أخرى لم يستعمل القرآن لفظ الخليفة بمعنى الحاكم وهو يقرر أن الانسان خليفة الله في الأرض والمقصود الانسان كنوع وليس الانسان كخلفة.

والفرضية التي تفرض نفسها هنا في هذا المجال هي أن التطور النوعي الذي حدث في أسلوب الرسائل هو نتيجة لتحول نوعي حصل في بنية الدولة الاموية نفسها وأن التأثير الفارسي قد جاء حقاً نتيجة هذا التحول الذي بني على الموروث الفارسي الأخلاقي والسياسي.

إن اول درس في الاخلاق والسياسة تلقاه العقل العربي كان على يد معاوية حامل السيف لا حامل القلم وكان بعنوان الحكم الجبري حيث شكل الجبر والطاعة عنصرين أساسيين في اخلاق المتغلب الذي افتتح به معاوية الدولة الاموية وانتقل منها الى الخلافة العباسية ايضاً الذين ورثوا من خصومهم عقلاً اخلاقياً ونظاماً في القيم تحتل فيه الطاعة موقع القيمة المركزية وتهيمن على أفاقه إيديولوجية الجبر.

لقد بدأ خطاب الجبر والطاعة في نصوص الامويين واقعياً العصا لمن عصا المستوحى من الموروث الفارسي وانطلق خطاب العباسيين من حيث انتهى خطاب اسلافهم من توظيف هذا الموروث الفارسي في تكريس وغرس اخلاق الطاعة في النفوس وتوظيف النص الديني في السياسة.

 

2- الموروث الكسروي – عهد اردشير

لا تكتفي الأخلاق الكسروية التي نقلها ابن المقفع من ترجمة عهد اردشير بتوظيف العبارات الدائرية لتمرير قيمها في غفلة من حاسة النقد بل توظيف ايضاً العبارات المفتوحة التي لا تقبل الصياغة الدائرية مثل العبارة المنسوبة لعهد اردشير التي تقول: ” سعادة الرعية في طاعة الملوك وسعادة الملوك في طاعة المالك” فطاعة الله لا يقال فيها انها من اجل الرعية او غيرها بل هي واجب لذاته وليس من اجل غيره ولو كان المقصود طاعة الله بهذا المعنى لقيل سعادة الرعية والراعي في طاعة الله ولو كان المقصود برباط الطاعة لقيل سعادة الرعية في طاعة الملوك وسعادة الملوك في طاعة الرعية وهذا وذاك مما لا تقبل الاخلاق الكسروية ذلك أن الملك في هذه الاخلاق هو القيمة العظمى فلا يمكن ان ترتبط سعادته بمن هو دونه ولا تقبل الاخلاق الكسروية المساوة بين الراعي والرعية حتى في طاعة الله.

والعبارة الكسروية عبارة اردشير التي نحن بصددها سعادة الرعية في طاعة الملوك وسعادة الملوك في طاعة الله شيئان مترابطان يقعان على خط مستقيم، الشيء الذي يوحي بأن طاعة الرعية للملك تندمج في طاعة الملك لله هذا في حين أن المقصود هو العكس: فالملك هنا يقوم فاصلاً بين الرعية والله لا بل يحل محله سعادة الرعية في طاعة الملك قضية مستقلة تماماً عن سعادة الملك في طاعة الله وهذا ما ينكشف لو وضعنا كلمة شقاء مكان سعادة وكلمة عصيان مكان طاعة وربطنهما بالزمان فالنتيجة تكون” شقاء الرعية في عصيان الملوك” شقاء يكون الأن لا يؤجل ولا يكن موضع مغفرة وشقاء الملوك في عصيان الله شقاء مؤجل الى اليوم الاخر وهو ليس ضرورياً بل يمكن أن يغفر الله لهم.

إن الملك عنصر أساسي وضروري في الاخلاق الكسروية وطاعته هي القيمة المركزية في هذه الاخلاق ولتعزيز منزلته وظفت كتب ونسجت اساطير لتخليد هذه القيمة في وجدان الفرس وثقافتهم ومع أن الجاحظ ايضاً تحدث في كتابه اخلاق الملوك ” التاج في اخلاق الملوك” تحدث فيه عن ملوك الامويين والعباسيين الى عهده إلا أن مصدره الأول والاساس كان ملوك الفرس وكتب يقول عن ملوك الفرس ” وعنهم أخذنا قوانين الملك والمملكة وترتيب الخاصة والعامة وسياسة الرعية وإلزام كل طبقة حظها والاقتصار على جديلتها” ويصف حال الدخول على الملوك وعن المسافة التي يجب أن يحافظ عليها وكيفية الانحناء ومطاعمة الملوك والثناء عليهم بالألقاب وعدم تشميته اذا عطس.

3- ابن المقفع والموروث الكسروي

معروف في التاريخ الإسلامي أن ابن المقفع كان أكبر ناشر ومروج للقيم الكسروية وأيديولوجية الطاعة في الساحة الثقافية العربية الإسلامية تلك القيم التي جعلها قيماً أخلاقية ودينية تعلوا على أي قيم أخرى لكثرة ما كتب وترجم ولخص وألف بأسلوب عربي بليغ بعد القرآن فكانت نصوصه تتدوال كنماذج لتعليم الكتابة والانشاء وكانت القيم التي تحملها تتسرب الى الثقافة و الفكر العربي بهدوء وعلى غفلة من قارئها فتتحول مع التكرار الى حقائق لا تناقش وأفكار مسبقة ومعان متلقاه متوارثة.

ونجد في جميع النصوص التي تذكر الطاعة وتمجدها وردت كلها في الأبواب الفارسية في كتابه الادب الكبير ولا ننسى ترجمته لكتاب كليلة ودمنة التي يكرس فيها طاعة ملك الغابة ويحذر من صحبة السلطان والابتعاد عن شؤون الملك من قبل العامة، ايضاً في كتاب ثاني يظهر باب السياسة والتأديب او عبارة سياسة العامة وتأديبها والمشتق من الترويض المعنى الحقيقي لكلمة سياسة ساس الخيل يسوسها أي روضها وادبها وعاقبها والغرض من العقاب هو جعل حد للسلوك الإنساني، وأن المصطلح الذي شاع في العصر الاموي مصطلح الادب أي تقويم السلوك والمقصود منه تحقيق الطاعة وبالتالي يكون معنى الادب عارياً عن كل ادب هو التطويع وهو الهدف الباطن من هذا المصطلح المستتر.

وعندما ننتقل الى كتاب كليلة ودمنة نجد نصوص يتحدث فيها بلسان البشر ومع البشر سنجد نفسنا امام خطاب مباشر في طاعة السلطان خطاب يلتمس لها اساساً ومبررات من كونها ضرورية لانتظام امر مكونات المجتمع الخاصة والعامة وإخلاق الطاعة يؤسسها الخوف من اسفل ومن أعلى” خوف المحكومين من خاصة وعامة وشعورهم او- اشعارهم[6] – بأنهم دائماً موضع مراقبة وحراسة…الخ، من جهة، وخوف الحاكم من عدم طاعة المحكومين أي العصيان من جهة أخرى، وهو خوف يدفع إلى الشك في ولاء الناس وبالتالي الطعن المسبق في أخلاقهم وهذا يعكسه ابن المقفع حين يقول” الناس إلا قليلاً ممن عصم الله مدخولون في أمورهم فقائلهم باغ، وسامعهم عياب، وسائلهم متعنت، ومجيبهم متكلف، وواعظهم غير محقق لقوله بالفعل، وموعوظهم غير سليم من الاستخفاف، والأمين منهم غير متحفظ من إتيان الخيانة، ذو الصدق غير محترس من حديث الكذب، وذو الدين غير متورع عن تفريط الفجرة، والحازم منهم غير ذاكر لتوقع الدوائر، يتناقضون البناء، ويترقبون الدول، ويتعاطون القبيح، ويتعاينون بالغمز، مولعون في الرخاء بالتحاسد، وفي الشدة بالتخاذل”. يتلو ذلك حشد من النصائح والحكم على شكل كلمات قصار يغلب عليها الزهد ولكنه زهد الكاتب السلطاني الخائف من المصير الاسواء لقربه من السلطان. فذو اللب حقيق أن يخلص لهم للملوك النصيحة ويبذل لهم الطاعة ويكتم سرهم ويزين سيرتهم ويذب بلسانه عنهم.

وفي كتابه الثاني – رسالة الصحابة- دعوة صريحة الى تنظيم الدولة على أساس القيم الكسروية حيث يلفت ابن المقفع نظر الخليفة الى نقاش كان يجري بين كثير من المتكلمين من قواد أمير المؤمنين حول مدى وجوب الطاعة وذلك انطلاقاً من الحديث النبوي ” لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق” يقول ابن المقفع: ” فإنا سمعنا فريقاً من الناس يقولون لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق بنوا قولهم هذا بناءً معوجاً فقالوا: إن أمرنا الامام بمعصية الله فهو أهل ان يعصى وإن أمرنا غيره الامام بطاعة الله فهو أهل أن يطاع فإذا كان الامام يعصى في المعصية وكان غير الامام يطاع في الطاعة فالأمام ومن سواه على حق الطاعة سواء وهذا قول معلوم يجده الشيطان ذريعة الى خلع الطاعة وهو الذي فيه أمنيته لكي يكون الناس نظائر ولا يقوم بأمرهم إمام”

يرد ابن المقفع هذه الدعوة ويقول: فأما إقرارنا بأنه لا يطاع الامام في معصية الله فإن ذلك من عزائم الفرائض والحدود التي لم يجعل الله لأحد عليها سلطاناً ولو أن الامام نهى عن الصلاة والصيام والحج أو منع الحدود وأباح ماحرم الله لم يكن له في ذلك أمر” اما غير ذلك من الرأي والتدبير والامر الذي جعل الله أزمته وعراه بأيدي الأئمة يعني شؤون الدنيا كلها فليس لأحد من الناس فيها حق إلا الامام وعصى الامام فيها أو خذله فقد اهلك نفسه وقد جعل الله الرأي إلى ولاة الأمور وليس للناس في ذلك الامر شيء إلا الإشارة عند المشورة والاجابة عند الدعوة والنصيحة بظهر الغيب”.

ويؤكد صاحب رسالة الصحابة على ضرورة الاهتمام بطبقة الخاصة فهي التي تضمن ولاء العامة إذ تقوم فيها بدور الامام ويعتبر ابن المقفع هو الباعث بكتاباته للدولة الكسروية والناشر لقيمها في الحضارة العربية الإسلامية وهي في طور النشوء والترعرع فهذا مالم نعد بحاجة إلى تأكيده مطلقاً، وهو المشرع للدولة الكسروية التي مازالت قائمة فينا إلى اليوم باسم الدين

 

 

 

4- ابن عبد ربه والموروث اليهودي

يوضح ابن عبد ربه مفهوم الطاعة بشكل خفي على خلاف ما ذكره ابن المقفع حيث يستشهد بأقوال الحكماء: إمام عادل خير من مطر وابل وإمام غشوم خير من فتنة تدوم، وإن الله يزع بالسلطان أكثر ما يزع بالقرآن” وقال فيما انزل الله على نبيه دواد: إني أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فمن كان لي على طاعة جعلت الملوك عليهم رحمة، ومن كان لي على معصية جعلت الملوك عليهم نقمة” ومعنى ذلك أن طغيان السلطان هو انتقام إلهي من الناس لعصيانهم الله! فطاعة الله شرط في التطلع إلى رحمة السلطان وليس رحمة الله فالسلطان هنا يحتل مكانة الله وتلك دعوة لا مجال لها في الإسلام انما هي من الموروث اليهودي.

كان الخطاب هنا موجهاً للرعية وملخصه ” طاعة السلطان من طاعة الله” أما الفقرة التالية فيتوجه به للسلطان ليتلمس منه طاعة الرعية إياه: ” فحق على من قلده الله أزمة حكمه وملكه أمور خلقه واختصه بإحسانه ومكن له في سلطانه أن يكون من الاهتمام بمصلحة الرعية والاعتناء بمرافق اهل طاعته” وهذا يعني أن العلاقة بين السلطان والرعية تمر عبر الله فالله هو الذي مكن للسلطان فمن حق الله عليه أن يهتم بأمور الرعية أما الرعية نفسها فلا حق لها إنما واجب عليها الطاعة وطاعة السلطان من طاعة الله”.

ويضيف ابن عبد ربه أن من شأن الرعية قلة الرضى عن السلطان وهذا يعني أن الظلم هو من الرعية ابتداء لأنها لا تلتمس العذر للسلطان وبما أنه لا سبيل الى السلامة من ألسنة العامة فعلى الرعية أن لا تحاسب السلطان على كل شيء بل عليها أن تنظر إلى جملة أعماله فتسكت عن مساوئه في سبيل حسانته وتتغاضى عن ظلمه وطغيانه مقابل ما يوفره من أمن وفي مقابل هذا السكوت من جانب الرعية يسكت الراعي عما في ضمائر الرعية من الكلام فيه وعدم الرضى بتصرفاته ولا يحاسبها إلا على ما اظهرته من ذلك الفعل.[7]

ويورد ايضاً أن نصح الامام ولزوم طاعته فرض واجب وأمر لازم ولا يتم إيمان إلا به ولا يثبت إسلام إلا عليه.

 

 

 

المطلب الثاني

صراع القيم

الدين طاعة رجل!

 

إن الصراع بين نظم القيم في الثقافة العربية كان محاثياً وملازماً لجميع الصرعات السياسية والاجتماعية التي عرفتها البلاد العربية الإسلامية منذ الصراع بين علي ومعاوية إلى يوماً هذا.

بل إن كثيراً من أوجه تلك الصرعات كانت عبارة عن صراع بين نظام للقيم، مختلفة ومتنافرة أو متنافية بالمرة وقد دخلت القيم الكسروية وفرضت نفسها داخل هذا الصراع كثابت بنيوي يخترق مفعوله جميع نظم القيم الأخرى، صحيح أن الدولة في كل زمان ومكان تقوم على الطاعة أو الولاء ولكن ما يلفت الانتباه في التاريخ العربي الإسلامي هو تنامي الاتجاه نحو الطاعة الكسروية الغير مشروطة وغزو هذا النوع من الطاعة لجميع الموروثات الأخرى بما فيها الموروث الإسلامي المحض الذي لم يعرف في الأصل هذا النوع من الولاء، فالبيعة في الإسلام سواء بيعة النبي في العقبة الأولى والثانية والمعاهدة المعروفة ب صفيحة النبي ومبايعة أبي بكر خليفة للنبي ومبايعة عمر وعثمان ثم علي كل ذلك تم بعد مشاورات وتسويات واشتراط شروط ومن أجل قضية الطاعة قامت حرب الجمل بين علي من جهة والزبير وطلحة وعائشة من جهة أخرى ثم حرب صفين بين علي ومعاوية أما الطاعة الكسروية فلم يعرفها لا العرب قبل الإسلام ولا المسلمون حين بناء الدولة لان الطاعة الكسروية طاعة غير مشروطة لا تقتضي احتكاماً لأية سلطة فكسرى في هذه الحالة ينزل منزلة الله ورسوله لا بل قد يصبح هو الإله نفسه وهذا الارتفاع بالطاعة الى المستوى الإلهي قد اتخذ طابعاً جديداً تماماً مع ظهور فكرة ألوهية الإمام لدى بعض الفرق المنتسبة للشيعة.

1- تعظيم الأئمة

ظهر هذا النوع من التعظيم الذي يرتفع ببعض الفرق الشيعية المعارضة للدولة الاموية من المستوى البشري إلى المستوى الإلهي الذي ظهر بعيداً وغريباً عن الأفق العربي والإسلامي، فلا زعماء القبائل ولا النبي نفسه ولا الصحابة ولا زعماء الخوارج ولا علي بن ابي طالب ولا أبنائه قد روي عنه ما يمكن أن يكون مرجعاً أو حتى ارهاصاً لظاهرة الغلو في الائمة والارتفاع بهم إلى مستوى الالوهية فهي فكرة مستوردة وتقع خارج الموروث العربي الإسلامي، وهذا ما أكده الشهرستاني حينما نسب هؤلاء الغلاة إلى الموروث الفارسي فقال عنهم: ولهم القاب وبكل بلد لقب والغلاة على اصنافهم كلهم متفقون على التناسخ والحلول.[8]

وهكذا تشكلت صورة الامام الذي يعلو على الخليفة ولا يُعلى عليه والخليفة يحكم الابدان ويتصرف في الأرواح بواسطة رجال الدين الرسميين، أما الأمام فيحكم النفوس ومن خلالها يحكم الابدان، والمطلوب من الناس في كلتا الحالتين الطاعة فطاعة الخليفة تبرر بكونه ظل الله على الأرض فطاعته من طاعة الله، أما الامام فهو وارث اسرار الدين لا بل وارث النبوة بل هو الإله الذي حل كله أو جزء منه في جسم بشر وطاعته هي نفسها طاعة الله، وعلى هذا الأساس قامت الأيديولوجية “الأمامية” الشيعية والاسماعيلية خاصة.

وإذا اسقطنا تلك الأيديولوجية” الامامة” على القيم الكسروية المكرسة لأخلاق الطاعة تكرس الاخلاق نفسها وبمفعول اقوى وأعمق ولذلك ليس غريباً أن تتطابق هذه القيم وتلك الأيديولوجية في الدولة الفاطمية دولة السلاطين الائمة فيدعي أحدهم الألوهية الحاكم بأمر الله كما يحدثنا التاريخ سنة 386-411 هجري.

2- انتقال العدوى

انتقلت عدوى أخلاق الطاعة التي اكتست بعداً سياسياً مضاعفاً إلى أهل السنة الذين كانوا يمثلون الإسلام الرسمي، لقد كان مفهوم الطاعة محصوراً في الله ورسوله اساساً وأن أولي الامر المخصوصين بالطاعة عطفاً في الآية هم القادة العسكريين الذين يقودون غزوات النبي وأن طاعتهم ليست مطلقة فهي لا تمنع من اختلاف الرأي بين أولي الامر وبين من غيرهم ممن هم تحت إمرتهم، وأن المرجع في فض النزاع هو الله ورسوله.

والطاعة كانت مشروطة رغم كثرة الأحاديث التي تروي موضوع الطاعة ” السمع والطاعة حق مالم يؤمر بالمعصية فإذا امر بمعصية فلا سمع ولا طاعة” أو الطاعة في المعروف ” لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”

لقد ألف الماوردي كتباً عديدة في الاخلاق والسياسة والاحكام السلطانية تعكس القيم الكسروية حتى في أوساط كبار الفقهاء لكثرة توظيف المرويات وتوجيهها توجيها معيناً حيث يذكر فضل الله جل شأنه الملوك على طبقات البشر تفضيلاً كبيراً وأكرمهم بالصفة التي وصف بها نفسه فسماهم ملوك وسمى نفسه ملكاً ولا ارفع من درجة الملوك وأن البشر مسخرين لهم وممتهنين لخدمتهم وأن الله جعل الملوك خلفاء في بلاده وأمناء على عباده وسماهم ساسة محلهم محل السائس الذي يسوس البهائم والدواب الناقصة الحال من القيام بأمور أنفسهم والعلم بمصلحتهم ومفسدتهم وسما افعالهم سياسة، ويشرح الماوردي دور الدين في حفظ المملكة وضمان طاعة الملك فيقول: إن الله سبحانه وتعالى حسم مواد الاعتراض منها( الرعية) على افعاله ( الملك) وكف السنتها عن رده ما راه في اجتهاده وأوجب عليها طاعته وألزم الانقياد له لحكمه وأمرهم أن يتصرفوا بين أمره ونهييه” وقد استهل كتابه الاحكام السلطانية والولايات الدينية بقوله:” الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا” وهو التعريف الذي تبناه الفقهاء من بعده فغدا أشبه ما يكون بتعريف رسمي سني للخلافة حتى ان ابن خلدون قد تبناه في مقدمته حيث كتب يقول: الخلافة نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا”

 

مما سبق نجد أن الغلو في تعظيم الحاكم أو الامام حاضراً في الفكر والقيم والموروث الإسلامي ، الشيعي والسني وهذا يدلنا على مدى تغلغل وهيمنة القيم الكسروية في الساحة الثقافية العربية الإسلامية إلى يومنا هذا.

 

 

 

المبحث الثاني

الإلزام السياسي في الإسلام

 

 

 

الإلزام السياسي في الإسلام

على الرغم من خطورة الحديث عن نظام إسلامي واحد على المستويين المكاني والزماني خلال أكثر من 1000 عام مضت في مسارات متشابهة للحكم، التي نهلت من معين الحضارات السابقة الساسانية والبيزنطية الرومانية والهندية الصوفية، وإذا تجاوزنا تلك الفترة الى ما قبل الإسلام لا نكاد نجد إلا الولاءات القبلية للقبيلة والعشيرة واحياناً احلافاً صغيرة معدودة مثل حلف الفضول وحروب الفجار ومعركة ذي قار،  لأن قريش  ومن يليهم من العرب لا يعرفون الإمارة ولا يطيعون غير رؤساء قبائلهم فلما وُلِّي في الإسلام الأمراء أنكرته نفوسهم، وبعد البعثة بدأت مظاهر وقيم جديدة تترسخ في المجتمع ناسفة القيم والمعتقدات القديمة حيث جعلت الأخوة والرابط الإسلامي أقوى من روابط النسب والعشيرة، من خلال التنشئة الجديدة التي دعا اليها الإسلام من أول يوم ديناً جماعياً[9]، ففي فجر الدعوة اتحد المسلمون الأوائل في دار الأرقم بن أبي الارقم وفي المدينة اول ما فعله الرسول محمد صلى الله عليه وسلم  بعد الهجرة المؤاخاة بين المهاجرين والانصار حيث صهرت العناصر المكونة لجماعة المسلمين في كيا واحد مظهرة أولى مظاهر الإلزام السياسي في الإسلام وهي تعتبر اعمق تغير سياسي أدخله الإسلام على حياة العرب في دولة مواطنة لا فرق بين عربي ولا عجمي ولا ابيض ولا اسود إلا بالتقوى. وإخلاص العمل لله ومناصحة أولي الامر ولزوم جماعة المسلمين، من حيث رص الصفوف ولزوم الجماعة وعدم التفرقة كانت من ضمن توصياته صلى الله عليه وسلم من ذلك قوله:” سيكون بعدي هنات وهنات فمن رأيتموه فارق الجماعة أو يريد ان يفرق بين أمة محمد فاقتتلوه كأناً من كان فإن يد الله مع الجماعة وإن الشيطان مع الفرقة، أيها الناس عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة قالها ثلاثة”[10]، وقوله أنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: بالجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله، فإنه من خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع.[11]

لقد كانت تلك الفترة الممتدة من البعثة حتى نهاية الخلافة الراشدة تعتبر ثورة رائدة بحد ذاتها في ترسيخ معنى الإلزام السياسي في الإسلام، وبعد الفتنة الكبرى في صفين ومسألة التحكيم ظهرت مفاهيم جديدة للإلزام السياسي من حيث توظيف الروابط القبلية والعشائرية والتغلب بالسيف، وفي المقابل ظهرت الفرق الشيعية التي تعتبر الإلزام السياسي في ولاء علي بن ابي طالب وذريته هي الأساس للإلزام السياسي في الإسلام واتخذت من التقية مطية لإظهار شيء وإخفاء التوجه الحقيقي المغاير للإلزام السياسي.

وإذا تعمقنا في النماذج السياسية الإسلامية المختلفة نجد عناصر مشتركة تساهم في رسم محيط بناء أصلي للإلزام السياسي من حيث الأصل المشترك ذلك أن الإسلام كثقافة توحيدية بالأساس قائم على مبدأ التوحيد يدفع إلى قراءة توحيدية للإلزام السياسي مفادها أن الطاعة المدنية لا يمكن أن تنفصل عن الطاعة الدينية وأنهما معاً تحيلان على الخضوع للشرع، وينبثق من هذا الأخير بدروه من سلطة إلهية فلا يمكن للنظام السياسي أن يطمح إلى بناء السيادة الإنسانية، فإذا كان الخليفة هو خليفة الرسول وإذا كان الولي الفقيه هو خليفة، خليفة ،خليفة الله فإن التفويض سيكون أداتياً فحسب، فممثل السلطة سيمارس باسم الله خلفاً للرسول او في غياب الإمام بالنسبة للشيعة[12].

ويبين تاريخ العالم الإسلامي كيف شكلت الاحاديث التي جمعت عند بدايات العصر الأموي والعباسي وسيلة ملائمة لشرعنه القرارات المتخذة من طرف الأمير بغرض جعلها إلزامية وتعفي الأمير من العقاب والحساب في الدنيا والأخرة منها ما تم توظيفها زمن معاوية فربط القوة والغلبة اللتين انتزع بهما السلطة بإرادة الله وسابق علمه أي بقضاء وقدر ناشرين أيديولوجية جبرية تلزم الناس الطاعة وروجوا احاديث تعفي الخلفاء من العقاب يوم القيامة من ذلك حديث يروونه بالصيغة التالية: إن الله تعالى استرعى عبداً رعيته كتب له الحسنات ولم يكتب له السيئات، وآخر يقول: أن من قام بالخلافة ثلاثة أيام لم يدخل النار ومن مثل هذه الاحاديث التي ترسخ الإلزام السياسي للناس وتحثهم على الطاعة قول معاوية: قد أكرم الله الخلفاء أفضل الكرامة وأنقذهم من النار و أوجب لهم الجنة وجعل أنصارهم أهل الشام.[13]

وتلك في الحقيقة هي الخطوة الأولى التي أدت إلى ظاهرة الالزام السياسي الجبري التي لا تزال آثارها متواترة وموروثة في العقل العربي الإسلامي كما سوف نبين لاحقاً، والتي امتدت من الفتنة الكبرى الى ثورات الربيع العربي في العالم الإسلامي والعربي خصوصاً.

 

المبحث الثالث

التنشئة السياسية

 

 

المطلب الأول

علم نفس الطاعة

اهتم علماء النفس وعلماء النفس السياسي بالطاعة ومفهوم الطاعة والالزام السياسي ومفهوم الصديق والعدو، ومن بين العلماء الذين أجروا أبحاث ميدانية هو العالم ستانلي ميلغرام الذي يعتبر واحد من أهم علماء نفس السياسة في زمانه، حيث اهتم بالأبعاد النفسية للقضايا السياسية وقدم العديد من الاسهامات في دراسة السلوك الإنساني، وركز ابحاثه في مجال الطاعة السياسية، فقد طرح ميلغرام أسئلة جوهرية عما يجعل الأفراد على استعداد لإطاعة سلطة عليا كالدولة، حتى عندما تصطدم متطلبات تلك السلطة بشدة بالقيم والأخلاق التي نجلها ونقدرها أكثر من أي شيء أخر؟ وفي إجابته عن هذا السؤال قام بدور فاعل في قلب التفسيرات النزوعية للطاعة أو التقليل من جاذبيتها على الأقل وخصوصاً تلك التي تلت المحرقة النازية، ووجهت اللوم إلى الشعب الألماني، مفترضة أن لديه خصوصية غير مألوفة قادت إلى ذلك الحدث الكاريثي.[14]

1-الشخصية التسلطية

لكي ندرك حقيقة فهم الطاعة السياسية في اعمال ستانلي ميلغرام وممارسات القتل الجماعي، لابد أن نفهم طبيعة الحقبة الزمنية التي أجرى بحوثه فيها، فقد عمل ملغرام على تجاربه في وقت كانت السيادة فيه لنظرية نزوعية تعرف ب الشخصية التسلطية، ففي الاربعينيات والخمسينيات حاول علماء الاجتماع ومن حقول مختلفة فهم الاحداث المرعبة التي وقعت في معسكرات اعتقال مثل أوشو يتز، وداشاو، إذ أصبح السؤال لماذ وقع الهولوكوست أكثر الأسئلة إلحاحاً في العلوم الاجتماعية بعد عام 1945.

كانت واحدة من الإجابات في ذلك الوقت ترد ماد حدث إلى شيء غير عادي او استثنائي لدى الشعب الألماني شيء جعل القتل الجماعي الذي ارتكبه النازيون أمر لا مناص منه ويعتبر كتاب الشخصية التسلطية الذي وضعه تيودور أدورنو وزملاءه ونشر عام 1950 تعتبر طبيعة الالمان أنفسهم وبوجه خاص ممارستهم المتعلقة في تربية الأطفال هي المسؤول المباشر عن خلق عدم التسامح والتفكير المحافظ ويؤكد ادورنو في هذا الكتاب أن جذور الفاشية تعود إلى كبت الوالدين للأبناء والتسلطية التي يمارسونها عليهم:” إن جذور هذه الشخصية تتصل بدوافع فطرية غير مقبولة اجتماعياً أي دوافع الجنس والعدوان بحسب منظور فرويد وعندما تكون القيود المفروضة على التعبير عن هذه الدوافع شديدة بشكل غير عادي يصبح الفرد قلقاً، يفتقر إلى الشعور بالأمن ويعتمد على السلطة الخارجية في توجيه سلوكه إلى حد كبير، ويتجاوز تبجيل هذه الشخصية للسلطة والاحترام المألوف المتوازن، والواقعي الذي يكنه معظمنا لها، ما يعكس حاجة عاطفية مبالغ فيها للخضوع”.

كذلك فإن ممارسات التنشئة المتشددة للأطفال تولد خوفاً مكبوتاً وعدائية، ما يتطلب مخرجاً في وقت لاحق، ويأتي المخرج على شكل إبدال وإحلال ويستبدل فيه العداء للوالدين بالعداء لجماعات الأقلية، أو العداء بوجه عام لأولئك المتخلفين عن الجماعة التي ينتمي إليها الفرد وقد طور أدورنو وزملاءه مقياساً يسمى مقياس ف للاتجاهات الفاشية وقد جرى استخدامه لقياس الارتباط بين سمات شخصية متنوعة والاستعداد لتصديق الدعاية الفاشية أو المضادة للديمقراطية.

 

 

المطلب الثاني

مفهوم التنشئة السياسية

تحتل التنشئة السياسية مكانة متميزة في حقل اهتمام علم الاجتماع السياسي نظراً لأنها إحدى موضوعات التقاء الاجتماعي بالسياسي، فالسياسة ليست مجرد أشخاص حاكمين ومحكومين ولكنها ايضاً ثقافة سياسية تصهر الحاكمين والمحكومين في بوتقتها، فالشأن السياسي هو الركيزة الأساسية للتحليل الوظيفي والنسقي كما بلوره بارسونز وميرتون واستن عندما تحدثوا عن نسق الثقافة جنباً الى جنب مع نسق الشخصية والنسق الاجتماعي،[15]ولكن الثقافة السياسية لها آليات لاكتسابها وموائل تنهل منها تكمن في المجتمع وتنظيماته وقيمه وعقائده، وعليه ، فإن التنشئة السياسية هي الآلية التي بمقتضها يتكون الإنسان السياسي وتتبلور الثقافة السياسية لمجتمع ما.

على الرغم من أن الاهتمام بدراسة ما اصطلح على تسميته (بالتنشئة) ليس وليد الفكر الحديث، فقد أهتم افلاطون وأرسطو ومفكري العلوم الاجتماعية من بعدهم لموضوعات نستطيع أن ندرجها تحت موضوع التنشئة بالمعنى الحديث للمصطلح، والتنشئة بمفهومها الواسع ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمجتمع، حيث أنها لا يمكن أن تقوم إلا من خلال التفاعل بين مجموعة من الأفراد، وبذلك فقد عرفها البروفيسور ميشيل:” بأنها عملية تلقين الفرد قيم ومقاييس ومفاهيم مجتمعه الذي يعيش فيه، بحيث يصبح متدرباً على إشغال مجموعة من أدوار تحدد نمط سلوكه اليومي”، وعليه تحيل التنشئة السياسية دائماً الى التنشئة الاجتماعية بأعتبار هذه الأخيرة إحدى المحددات الرئيسية للتنشئة السياسية.

وأهمية التنشئة السياسية بالنسبة للحكومات والأنظمة الحاكمة على مر العصور ضرورة ملحة من أجل إضفاء طابع المشروعية على نفوذهم وسلطتهم، فهم يسعون جاهدين للتحكم أو التأثير على قنوات التنشئة بدءاً من رياض الأطفال والمدارس إلى المساجد ودور العبادة انتهاء بوسائل الاعلام.[16]

فالتنشئة السياسية التي هي حصيلة الإجابة عن التساؤلات التالية: كيف تتشكل الثقافة السياسية في المجتمع؟ وكيف تتبلور ثقافة سياسية متميزة لكل مجتمع؟ وكيف يتكون الإنسان السياسي أو يتبلور سلوك سياسي معين للفرد داخل المجتمع؟

اهتم المفكرون وصناع القرار على مر الأزمنة بكيفية خلق المواطن السياسي الذي يساهم في الحياة السياسية، ويكون مطيعاً مسلماً للسلطة القائمة واضفاء الشرعية على الحكام، واهتموا في هذا السياق بعملية التعليم والتلقين للتراث السياسي من جيل إلى جيل واعتبروا هذه الوظيفية من صميم وظائف الدولة، فعن طريق التعليم والتلقين للتراث السياسي يحصل انسجام وتجانس بين ثقافة المجتمع مؤسساته القائمة، وسوف نستعرض أهم الدراسات الغربية التي قام بها الموند وفيبر وهي دراسة استغرقت حوالي خمس سنوات 1958- 1963 التي وضعا من خلالها ثلاثة أنماط للثقافة السياسية:

1: الثقافة السياسية الرعوية او الضيقة

يقصد بهذا النمط من الثقافة السياسية، أن الافراد ليس لديهم معرفة جيدة عن الأهداف والغايات السياسية التي توجد في الحياة السياسية لذلك فإنهم لا يستطيعون تقديم أحكام صحيحة على تلك الأهداف والغايات السياسية الموجودة في مجتمعهم، ويترتب عن ذلك أن الناس لا تستطيع تقديم أي نوع من التأييد أو المعارضة للسياسات العامة التي يهدف اليها المجتمع وينطبق ذلك على القيادات السياسية التي يضمها النسق السياسي ويمكن القول عن هذه الثقافة هي التي تكون قائمة في مجتمعات محلية مبنية على القرابة والعرف والدين.

 

2: ثقافة الخضوع

نجد الافراد في هذا النوع من الثقافات السياسية يدركون ما يجري حولهم في إطار النظام السياسي، حيث يتشكل لديهم نوع من الأحاسيس والمشاعر والوعي، ويقومون بإصدار نوع من الأحكام تجاه ذلك النظام السياسي ككل، وفي ثقافة الخضوع يتعرف الأفراد على عملية صنع القرارات السياسية ويدركون كيفية تكوين البناءات السياسية وكل مايتعلق بالعملية السياسية، إلا أنه بالرغم من ذلك، فإن موقفهم يكون سلبياً ويكون الخوف هو المسيطر على الافراد، الخوف من أن يقدموا أي نوع من المشاركة لاعتقادهم أن دورهم سوف يكون لا قيمة له وأما لعدم اعتراف النظام بأهمية مشاركتهم.

 

3: ثقافة المشاركة

وهي تتجسد بالمبادئ الديمقراطية (أو الشورى في زمن الخلافة الراشدة) حيث يعتقد المواطنون أن لديهم فرصة أكبر في المشاركة في الحياة السياسية والنظام السياسي وأنهم قادرون على تغير هذا النظام أو تعديله بالوسائل المتاحة لديهم على سبيل المثال عن طريق اختيار مرشحين او انتخابات أو مظاهرات أو تعطيل حكومة أو محاسبة وزير.[17]

كيف تحدث عملية التثاقف السياسي أو اكتساب وتعلم الافراد المجتمع لثقافة المجتمع وماهي أهم قنوات التنشئة السياسية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته إلى أن يصبح عضواً في المجتمع يحمل قيمه ويطيع الحكام دون أن يشك في شرعية او مشروعية الحاكم، سوف نتعرف عليها من خلال القنوات الخفية التي ترسخ قيم ومعتقدات لا يمكن تغيرها مع مرور الزمن والتي تم توظيفها لصالح الحكم الجبري وعدم الشك فيه او القيام عليه.

 

 

 

المطلب الثالث

قنوات التنشئة السياسية

 

1 – الاسرة كقناة أولى لكل تنشئة اجتماعية سياسية

تعد الاسرة الخلية الاجتماعية الأولى التي ينشأ فيها الطفل وفيها يبلور لنفسه تصورات وينمي احاسيس يكون للأسرة الدور الأكبر في تشكيلها حيث يتطبع الفرد بطباع من هو في رعايتهم وغالباً ما يسعى أفراد الاسرة الى نقل الثقافة التي تلقوها هم أنفسهم عن أهلهم إلى أبنائهم الصغار وتلعب الام الدور الأول في ذلك على مستوى القيم والعادات ثم يأتي دور الاب ليؤثر على الطفل في مستويات أخرى بما فيها التنشئة السياسية، حيث يظهر تأثير الاسرة العربية على التنشئة السياسية للطفل من خلال توظيف الأمثال الشعبية وبعض الاحاديث النبوية والأيات القرآنية لتعزيز ثقافة الخضوع وعدم مطالبته بعدم التدخل في السياسة والتسليم بالامر الواقع انطلاقاً من اقوال” أبعد عن الشر وغني له” أو ” العين لا تقاوم المخرز” أو الي يطلع لفوق تنكسر رقبته” و ” هذا ما أعطى الله” أ أطيعوا الله ورسوله و أولي الامر منكم” دون تدقيق بالمعنى الحقيقي لهذه الآية، فيشب الطفل وهو مؤمن بهذه الأفكار التي تعزز الحكم الجبري ويبقى لديه اعتقاد بأن ما هو موجود أمر طبيعي وقضاء وقدر أي أنه لا قدرة له ولا حق في تغيير هذا الواقع،

2: المؤسسات التعليمية

أما بالنسبة لدور المدارس في العالم العربي والإسلامي يثير إشكالات عميقة أهمها أنواع الثقافة التي يراد توصيلها للطلاب ذلك أن مجتمعاً متنازعاً في ثقافته، تائهة خطاه عن الطريق مقسماً ما بين الأصالة والمعاصرة حائراً ما بين الديمقراطية وطاعة أولي الأمر لابد أن يخرج اجيالاً مشتتة ما بين ما يتلقوه وما بين ما يعيشه العالم فإن الانفتاح الثقافي والسياسي الذي فرض نفسه خلق نوعاً من التحديات إما أن نكون واقعيين ونعطي لطلابنا الحرية أو أن تكون مؤسساتنا التعليمية فقط لمحو لأمية والتلقين المقيت التي تكرس طاعة الإمام وتقدس الشيخ دون أي نقد مما أدى إلى قفل باب الإبداع الفكري العربي أو أي صوت للتجديد غير الذي يأتينا من المتنورين الذين نهلوا من العلوم الغربية.

3: المؤسسات الدينية

تلعب المؤسسات الدينية في العالم العربي والإسلامي دوراً متميزاً منذ الفتنة الكبرى بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان في تكريس وتعزيز التنشئة السياسية والإلزام السياسي والاجتماعي، لأن الدين يدخل في صميم النسيج الاجتماعي العربي الإسلامي، وغالباً ما تكون الوسائل وقنوات التنشئة الأخرى مقيدة بما تلقنه أعضاؤها من تعاليم دينية لا تشذ عنها.[18]

أن دور الدين في عملية التنشئة السياسية لا يقتصر على المؤسسات الدينية المختصة بل يمارس الدين دوره في هذا السياق منذ الطفولة داخل الأسرة وفي المدرسة من خلال الحصص والدروس الدينية وفي وسائل الإعلام.

إن التنشئة السياسية التي تمارسها المؤسسات الدينية هي أكثر ما تكون بروزاً من خلال المساجد وعلى يد المسيسين من رجال الدين الداعمين للنظام الحاكم عبر استشفاف مختلف الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي توصي بإطاعة الحاكم وإضفاء طابع ديني على حكمهم وأحياناً إضفاء قداسة إلهية على شخصية الحاكم المفوض بأمر الله، أو ابعاد الناس عن التدخل والتعاطي في الأمور السياسية بالقول بأن الدين علاقة بين الإنسان وربه ولا علاقة له بالسياسة ومناوراتها، أو يكون دور الدين معارضاً للسياسة القائمة بتكفير الحاكم والوضع القائم والدعوة إلى الرجوع إلى منابع الإسلام، وتحليل العنف كأداة لتغير الوضع القائم باسم الإسلام والحض على الجهاد والقيام على الحاكم أو الأمير وشاهدنا الكثير من الثورات باسم الدين من ثورات الحسين بن علي رضي الله عنه إلى ثورات العلماء ضد الحكم الأموي والعباسي وغيرها.

 

 

خلاصة: من خلال ما تقدم نستطيع القول إن الموروث الجمعي للعقل العربي والإسلامي لا يستطيع الخروج من ازمه الفتنة الكبرى وما رفقها من إدخال الموروث الفارسي الذي كرس ورسخ الحكم الجبري والطاعة العمياء للحاكم، وما رفقها من توظيف للنصوص الدينية وما تم تكريسه في العقل الباطن للأسر العربية إلا من خلال العودة إلى الحكم الإسلامي الراشد ( الشورى) أو الانتقال بطريقة تفكيرنا نحو غرس قيم الحرية والديمقراطية في العقل الجمعي العربي والتداول السلمي للسلطة والعمل على إعادة التنشئة السياسية الحديثة المبنية على العلم والتسامح ونبذ العنف بكافة أنواعه من العنف الأبوي إلى العنف السياسي المبني على موروث فارسي دخيل من زمن الفتنة الكبرى إلى الربيع العربي، ونستطيع القول إن ثورات الربيع سوف تكون المخلص للعقل العربي من الإرث الثقيل المتجذر في عقولنا والتحول السلمي الديمقراطي في الحكم ومحاسبة الحاكم واعتباره خادم للشعب لا كونه يتمتع بطبيعة إلهية سرمدية وإنه إنسان يخطئ ويصيب وله فترة زمنية في الحكم يقوم الشعب بإختياره مرة ثانية للحكم أو أن يختار الأفضل للشعب والأمة.

 

 

المصادر والمراجع

1- القرآن الكريم

2- مسند أحمد

3- محمد مختار الشنقيطي – الازمة الدستورية في الحضارة الإسلامية من الفتنة الكبرى إلى الربيع العربي –منتدى العلاقات العربية والدولية – الدوحة -2018

4- محمد عابد الجابري – العقل الأخلاقي العربي – مركز دراسات الوحدة –بيروت – الطبيعة الأولى -2001

5– برتراند باري- غي هيرمت، السياسة المقارنة – ترجمة عز الدين الخطابي – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت –الطبعة الأولى -2013

6- فليب برو، علم الاجتماع السياسي ، ترجمة محمد عرب صاصيلا ، الطبعة الأولى ،المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، بيروت ، 1998

7- حسنين توفيق إبراهيم، ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية ، الطبعة الثانية ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ،1990

8- صادق الأسود- علم الاجتماع السياسي – أسسه وأبعاده، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد 1990

 

 

 

 

[1]  -سورة الانفال ،72

[2] محمد مختار الشنقيطي – الازمة الدستورية في الحضارة الإسلامية من الفتنة الكبرى إلى الربيع العربي –منتدى العلاقات العربية والدولية – الدوحة – 2018ص 185

[3] لوك ، جون ، في الحكم المدني ترجمة ماجد فخري بيروت اللجنة الدولية للترجمة الروائع 1959

[4] – محمد عابد الجابري – العقل الأخلاقي العربي – مركز دراسات الوحدة –بيروت – الطبيعة الأولى -2001- ص 135

[5] – محمد عابد الجابري – العقل الأخلاقي العربي – مرجع سابق- ص 137

[6] محمد عابد الجابري- العقل الأخلاقي العربي – مرجع سابق – ص 198

[7] محمد عابد الجابري – العقل الأخلاقي العربي – مرجع سابق – ص214

[8] محمد عابد الجابري – العقل الأخلاقي العربي – مرجع سابق ص 220

[9] – محمد مختار الشنقيطي – الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية من الفتنة الكبرى الى الربيع العربي- منتدى العلاقات العربية والدولية – ط أولى – الدوحة – 2018 ص 181

[10] – مسند احمد 21\60-61

[11] المرجع السابق 38\221

[12] – برتراند باري- غي هيرمت، السياسة المقارنة – ترجمة عز الدين الخطابي – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت –الطبعة الأولى -2013 ص 299

[13] – محمد عابد الجابري – نقد العقل العربي 3– العقل الأخلاقي العربي – مركز دراسات الوحدة العربية –بيروت – الطبعة الأولى 2001- ص 66-67

[14] دايفد باتيرك هوتون- علم النفس السياسي – ترجمة ياسمين حداد-المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية- قطر طبعة 2015- ص 81

[15] فليب برو، علم الاجتماع السياسي ، ترجمة محمد عرب صاصيلا ، الطبعة الأولى ،المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، بيروت ، 1998 ص 125

[16] حسنين توفيق إبراهيم، ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية ، الطبعة الثانية ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ،1990 ص 80 -82

[17] المرجع السابق- حسنين توفيق إبراهيم، ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية

[18] صادق الأسود- علم الاجتماع السياسي – أسسه وأبعاده، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد 1990 ص 128

عن ndhb6iU8LS

شاهد أيضاً

تاريخ نشأة الفنادق

بقلم الطالبة:سارة العبيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *