الألعاب الرياضية في العلاقات الدولية

 

الألعاب الرياضية في العلاقات الدولية

 

اعداد الباحث

غياث احمد دك

2020

 

هل تسألنا يوماً ماهو الرابط بين العلاقات الدولية والألعاب الرياضية وكيف توظف الدول تلك الألعاب لتحقيق أهداف سياستها الداخلية او الخارجية.

وكيف تم توظيف الرياضة كأداة من أدوات السياسة الخارجية من حيث استخدمها كأداة للدعاية السياسية واكتساب الشرعية الدولية او انكار الشرعية السياسية للخصوم أو اختبار النوايا، أو تحسين العلاقات بين الدول

وماهي علاقة الألعاب الرياضية بالصراعات الدولية

وكيف نحقق التعايش السلمي من خلال الألعاب الرياضية

 

الفصل الأول

الألعاب الرياضية إحدى صور الدبلوماسية الشعبية

تعتبر الألعاب الرياضية إحدى صور الدبلوماسية الشعبية ومن أكثرها نجاحاً لجذب الجماهير وبخاصة الشباب، فضلاً عن أنها أصبحت لغة عالمية مثل الموسيقا تخترق حاجز اللغات بين الدول، لذلك يتم تفعيها من خلال العمل على تكثيف إقامة أنشطة رياضية متبادلة بين الفرق الرياضية المتناظرة في مختلف دول العالم.

وتعتبر هذه الألعاب من أهم الأنشطة الاجتماعية المؤثرة في المجتمعات السياسية وفي العلاقات الدولية، وتنبع تلك الأهمية من طبيعة الألعاب الرياضية ذاتها كظاهرة اجتماعية تحقق نوعاً من التعايش السلمي التي تتسم باتساع قاعدتها الجماهيرية التي تخلق جواً من التنافس البشري السلمي نحو الصراع والانتصار السلمي المبني على الاجتهاد والمثابرة والتدريب المكثف المفضي للفوز الذي يضفي جواً عاماً لدى الجمهور من الفرح والنشوة بالانتصار.

وتعد الألعاب الأولمبية وكأس العالم أكبر حركتين رياضيتين واجتماعيتين دوليتين في عالمنا الحديث حيث يشترك متسابقون من مختلف أنحاء العالم دون تفرقة على أساس الجنس أو اللون أو اللغة او المعتقدات الدينية او السياسية.

وكان يحرم في الألعاب الأولمبية ترتيب الدول طبقاً لنتائجها في المسابقات أو فوز مواطنيها ويرجع ذلك إلى أن الألعاب الأولمبية تعتبر مسابقات بين الافراد وليس بين الدول، حيث أن المقارنة بين الدول مقارنة غير عادلة لعدم التكافؤ في المستويات الثقافية أو الاجتماعية او الاقتصادية او التقنية وعدد السكان والمساحة ومستوى دخل الفرد، لكي لا تتحول الألعاب الأولمبية الى صراع بين الدول.

وأصبحت أجهزة الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية تتنافس لتغطية الاحداث الرياضية وبذلك تكون فرصة ذهبية للإعلام لتسليط الضوء على الدولة التي تقام فيها الدورات الدولية ونشر ثقافتها ومعالما السياحية.

ومن الثابت أن الربع الأخير من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين قد شهد تزايد ملحوظ في أهمية الألعاب الرياضية وفي الدور الذي تعلبه كعامل مؤثر في العلاقات الدولية ويرجع هذا التزايد الى تفاعل عاملين:

الأول- تطور تكنولوجيا الاتصال الدولي مما أتاح للجمهور متابعة الأنشطة الرياضية في مختلف أنحاء العالم في الوقت ذاته.

الثاني – تطور ورسوخ التنظيمات في وضع قواعد محددة لممارسة تلك الألعاب التي تطبق في كل دول العالم مما أدى إلى بروز ظاهرة وجدة الأنشطة الرياضية عبر الحدود السياسية الدولية.

وكان من المتصور أن يؤدي تعاظم أهمية الألعاب الرياضية الى اتسام العلاقات الدولية بطابع أكثر تعاونية وأقل صراعية،

فالمفهوم الأصلي للألعاب الرياضية هو أداة لتحقيق السلام الدولي من خلال التعارف بين الشعوب.

ايضاً تحولت هذه الألعاب لتصبح ساحة من ساحات الصراع الدولي وأداة من أدوات تنفيذ السياسة الخارجية حتى اعترف اللورد كيلاني الرئيس السابق للجنة الأولمبية بأن التدخل بين السياسة والألعاب الرياضية أمر حتمي.

وتنطلق هذه الدراسة من مقولة: إن الألعاب الرياضية قد أصبحت أداة تستخدمها الدول لتحقيق أهدافها كما انها أصبحت انعكاساً لطبيعة العلاقات الدولية الصراعية اكثر منها عاملاً مؤثراً في تهدئة التوتر الدولي.

 

تعريف الألعاب الرياضية

يختلط مفهوم الألعاب الرياضية بمجموعة مفاهيم أخرى مثل اللعب والترفيه والمنافسة والمباراة وغيرها

ويمكن تعريف الألعاب الرياضية بأنها مجموعة من الأنشطة البدنية العلنية ذات الطابع التنافسي والتي في إطار مؤسسي محدد

خصائص الألعاب الرياضية

1- أنشطة بدنية اساساً وليست مجرد أنشطة ذهنية ولا يعتبر الشطرنج من الألعاب الرياضية او مسابقات الحفظ والتذكر

2- الألعاب الرياضية أنشطة علنية بمعنى انها تفترض وجود جمهور من المشاهدين

3- أنشطة تنافسية فلا يمكن ان نتصور الألعاب الرياضية بفريق واحد دون منافس وهو الشرط الأساسي لوجود الألعاب كما هو الحال في كرة القدم

4- يتضمن عنصر التنافس الفوز والخسارة

5- الاطار المؤسسي بمعنى أنها تتم وفق قواعد رسمية محددة سلفاً تحدد قواعد الربح والخسارة لذلك وجود حكم في اللعبة ضروري وجزء لا يتجزأ في اللعبة

 

الطبيعة الاجتماعية السلمية للألعاب الرياضية

ليست الألعاب الرياضية مجرد مجموعة من الأنشطة البدنية التي تبدأ وتنتهي في الملعب في وقت وزمان معين، الألعاب الرياضية ترتبط بمجوعة ضخمة من الأنشطة الأخرى كالتدريب والتنظيم الإداري التي تبد أقبل المباراة وتنتهي بعد انتهاء المباراة.

الألعاب الرياضية أنشطة اجتماعية سلمية تعكس الأوضاع الاجتماعية والثقافية للمجتمع وتعطي افضل تصور للتعايش السلمي بين افراد المجتمع الواحد من حيث التكوين الطبقي والعرقي داخل المجتمع الواحد والمفاهيم الأخلاقية لهذا المجتمع حيث تنسجم مع القيم الثقافية السائدة في المجتمع وترتبط ايضاً بمجموعة من الأنشطة الاقتصادية مثل تكاليف الاعداد الرياضي وقضايا الاحتراف وتصدير اللاعبين وكمصدر للدخل القومي من حيث استضافة الدورات الرياضية وما تدره تلك الدورات من دخل على الاقتصاد القومي.

وتنتشر دراسات النفسية التي تشير أن الرياضي أكثر ميلاً لسلوك المحافظ عن غير الاعبين فالرياضة تغرس بين الرياضيين قيماً معينة ترتبط بالإتقان والإصرار والاحساس بالمسؤولية واحترام القوانين

من ناحية أخرى تؤدي الألعاب الرياضية مجموعة من الوظائف التي تعزز التعايش السلمي والاجتماعي من حيث أن الحكومات تلجأ الى الاهتمام الشديد بالألعاب لأنها تؤدي وظائف اجتماعية لا يمكن أن تؤديها أي أدوات او تكوينات اجتماعية أخرى بنفس الكفاءة.

من حيث تسهل عملية الاندماج الاجتماعي والتعايش السلمي على مستوين مستوى الفرق الرياضية ومستوى الجماهير فالفريق يضم الافراد على أساس الكفاءة الرياضية وحدها وتساهم الفرق الرياضية في عملية الاندماج والتعايش المجتمعي حين تتنافس الفرق الرياضية القومية مع فريق أجنبي حيث تلتف الجماهير الوطنية بصرف النظر عن الانتماء العرقي والتوجهات السياسية خلف فريقها القومي وتشجه وتعم مظاهر الفرح بفوزه.

وفي الدول الديمقراطية نجد أن الناخبون يستغلون تعاطف المرشح وتشجيعه لفريق معين لتعطيه أصواتها وخصوصاً المتعصبين لفريق معين حيث يحقق المرشح فوز كاسح استناداً للمشجعين.

ومن ناحية أخرى تستطيع الألعاب أسر وتعبئته الجمهور من خلال رفع العلم او أداء النشيد الوطني او حضور رؤساء الدول المضيفة افتتاح الدورات التي تقام على ارضها.

 

 

التكتلات السياسية والتكتلات الرياضية

مرت النظم الإقليمية بعمليات تغير مستمر لاستيعاب المتغيرات التي تحدث على الساحة الدولية وكانت الدوافع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وكذلك البيئية وراء تلك المتغيرات نظراً للبعد السياسي للألعاب الرياضية واتساع الاهتمام الجماهيري بها لذا برزت التكتلات الرياضية مدفوعة بدوافع سياسية واقتصادية حيث اولتها الدول الكبرى اهتماما كبيراً حيث برز تكتلان سياسيان الأول يضم الدول الناطقة بالإنجليزية وهو الكومنولث والثاني يضم الدول الناطقة بالفرنسية وكذلك برز تكلان اقليميان الأول يضم الدول المحيطة بالبحر المتوسط والثاني يضم الدول العربية.

المرأة والألعاب الرياضية الدولية

أصبحت المرأة تلعب دوراً فعالاً في المجتمع وفي الحياة السياسية وظهرت النظريات النسوية في العلاقات الدولية وشاهدنا العديد من النساء يتقلدن مناصب رئاسية ووزارية في بلدانهم ولعبت المرأة دوراً اجتماعياً مؤثراً في الحياة الاجتماعية على مر العصور لأن المرأة دعامة اساسية من الدعائم التي يرتكز عليها المجتمع وهناك تزايد في الاهتمام بقضايا المرأة في مختلف دول العالم والأن يشهد العالم اقتحام المرأة المجال الرياضي كلاعبة او حكم او منظمة للدورات الرياضية وراعية لها حيث وصل عدد الفرق النسائية 120 فريق كرة قدم عام 2002

 

 

البعد السياسي للألعاب الرياضية الدولية

لم يقتصر تأثير الألعاب الرياضية على المجتمعات الداخلية ولكنه امتد إلى ميدان العلاقات الدولية وقد بدأ تأثير الألعاب الرياضية يظهر منذ انعقاد الدورة الأولمبية الأولى في أثينا عام 1896 وازداد هذا التأثير بعد نهاية الحرب العالمية الثانية فقد كان التصور السائد أن الاولمبياد سيكون ساحة من ساحات التنافس الحر بين هواة الألعاب الرياضية بهدف الارتقاء بمستوى تلك الألعاب والتقارب بين شباب العالم، وقد عبر دي كوبرتان عن هذا التصور بقوله: تنشأ الحروب لأن الدول تسيء فهم بعضها البعض ولن نحصل على السلام مالم يتم القضاء على التعصب الذي يفصل بين مختلف الاجناس ولكي نحقق هذا الهدف ينبغي أن نجمع شباب كل الدول معاً في فترات دورية لكي يقدموا عروضاً ودية للقوة البدنية والاتقان”

ولكن الألعاب الرياضية تطورات لكي تصبح ساحة من ساحات التنافس السياسي الدولي وأداة من أدوات السياسة الخارجية حتى اعترف اللورد كيلاني بالتدخل بين السياسة والألعاب الرياضية كأمر حتمي.

ما الذي أدى إلى اكتساب الألعاب الرياضية تلك الابعاد السياسية؟

يمكن أن نشير إلى مجموعة من العوامل الأساسية:

1- هيمنة الدول على النظام الرياضي الدولي

2- طبيعة العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية

3- تكنولوجيا الارسال بالأقمار الصناعية

4- النظام الرياضي الدولي انعكاس للطبيعة الاحتكارية للنظام السياسي الدولي.

 

هيمنة الدول على النظام الرياضي الدولي

يشهد النظام السياسي العالمي تغيراً جذرياً في ماهية الوحدات المكونة له وظهور تنظيمات دولية وشركات متعددة الجنسيات وحركات التحرر الوطني، إلا أن النظام الرياضي الدولي لم يواكب هذا التحول بحيث ظلت الدولة هي الكيان الوحيد الفاعل فيه فالدولة وحدها هي التي تمثل في المباريات الرياضية الدولية بما فيها دورات الألعاب الأولمبية، بمعنى أنها هي التي تحدد من يمثلها في تلك المباريات تماماً كما تحدد السفراء الذين يمثلونها في الخارج ومن ثم فإن المتسابقين في المباريات يلعبون كممثلين لدولهم وليس كأفراد يمثلون انفسهم فقط رغم أن اللجنة الأولمبية الدولية التي تحكم تنظيم الألعاب لا تتألف من الدول إلا أن الدولة وحدها هي التي يسمح لها بحضور الدورات الأولمبية فاللجنة لا تقبل مشاركة الرياضين إلا إذا كانوا يمثلون دولاً بها لجان وطنية اولمبية، ولذلك فإنه حينما طلب الرياضيون الفارون من الاتحاد السوفيتي و أوروبا الشرقية المشاركة في دورتي الألعاب الأولمبية عامي 1952 \ 1956 رفضت اللجنة الأولمبية الدولية ذلك لأنهم لا يمثلون دولاً معينة، وقد ساند مجلس أوروبا طلبات هؤلاء الرياضيين إلا أن اللجنة أصرت على أن المهم هو الدولة وليس الرياضي وحين انسحبت بعض الدول النامية من أولمبياد مونتريال سنة 1976 حاول احد الرياضين من دولة جويانا المنسحبة ان يشارك في الدورة تحت العلم الأولمبي  بدلاً من علم دولته رفضت اللجنة طلبه.

وتتمثل الهيمنة الدولية على النظام الرياضي الدولي في بعض النواحي الرمزية كاستعراض وفود الدول بداية الدورة الأولمبية وعزف النشيد الوطني ورفع العلم الوطني لدولة الفريق الفائز وتم وضعها منذ 1894 حيث وضعها دي كوبرتان حينما أسس الحركة الأولمبية وحين حاول خلفاءه إلغائها فشلوا في ذلك لأن الدول تمسكت بتلك التقاليد التي تؤكد هيمنتها. وكذلك تتألف الاتحادات الرياضية القارية من الاتحادات الرياضية للدول وهي أجهزة خاصة لسلطة دولة معينية، ويمكن القول إن النظام الرياضي الدولي الراهن شبيه الى حد كبير بالنظام السياسي الدولي في القرن التاسع عشر الذي تحكمه توازنات القوى ويتسم بقدر كبير من الصرعات الدولية

طبيعة العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية

إن بروز ظاهرة الصراع الأيديولوجي بين المسكرين الشيوعي والرأسمالي وظاهرة الحرب الباردة بينهما، فقد وجد المعسكران الألعاب الرياضية الدولية ميداناً مناسباً للتعبير عن الصراع الأيديولوجي بتوظيف تلك الألعاب لإظهار تفوق أيديولوجية كل معسكر،

العولمة وتكنولوجيا الإرسال بالأقمار الصناعية

مع التطور العلمي السريع واستخدام التكنولوجيا والانترنت أصبح هناك سوق رياضي للمنافسة وتتجلى تأثير تقنيات عملية العولمة من خلال البث التلفزيوني وعبر مواقع الويب وعولمة الاتصال على الألعاب الرياضية التي جعلت من السهولة مشاهدة الافراد في كل دول العالم للألعاب الرياضية على مستوى الدولي والإقليمي كما أصبح للأحداث الرياضية بعد دولي متزايد التي وسعت قاعدة الجماهير المهتمة بالمباريات ولما كانت الفرق الوطنية تخوض مباريات مع فرق اجنبية فقد أصبحت الجماهير اكثر وعياً بارتباط المباريات بالكرامة الوطنية بخاصة وتم تسيس الجماهير في كثير من الأحيان لتعزيز اللحمة الوطنية التي تربط أبناء الوطن الواحد وتدعوهم للعيش المشترك من خلال مشاعر عاطفية للفوز والخسارة.

النظام الرياضي انعكاس للطبيعة الاحتكارية للنظام السياسي الدولي

يمكن القول إن التنظيم الدولي للألعاب الرياضية يتميز بطبيعة احتكارية قوامها سيطرة القوى الكبرى على هذا التنظيم وتوظيفه لخدمة مصالحها وتكريس هيمنتها، فالتنظيم ليس إلا انعكاساً

للصفة ذاتها التي يتميز بها النظام السياسي الدولي. فحينما نشأت اللجنة الأولمبية الدولية والاتحادات الرياضية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين فإنها عكست الحقيقة الجوهرية للنظام السياسي الدولي القائم آنذاك وهو أنه نظام أوروبي في جوهره مع مشاركة محدودة من اليابان والولايات المتحدة الامريكية، لكن النظام الرياضي الدولي لم يتطور بحيث يستوعب القوى الافريقية والآسيوية الجديدة إلا بشكل يضمن استمرارية الهيمنة الغربية على هذا النظام وإن ثلثي الأصوات في اللجنة التنفيذية المهيمنة على اللجنة الأولمبية لأفراد ينتمون للغرب و24 دورة عقدت كلها في العالم الغربي  ومن بين 29 دورة صيفية أقيمت من عام 1896 حتى 2008 منها 23 دورة في العالم الغربي وواحدة في سيول واثنتان في طوكيو وواحدة في المكسيك وواحدة بأسترالية ووحدة في بكين

كذلك الدول المضيفة لدورات كأس العالم كان غالبيتها في دول الغربية من أصل 19 دورة من عام 1930 الى 2010 كان 12 دورة في الدول الغربية.

الألعاب الرياضية أداة من أدوات السياسة الخارجية

1- الألعاب الرياضية كأداة للدعاية السياسية الدولية

فمن خلال توظيف الألعاب الرياضية تستطيع الدولة أن تظهر لباقي دول العالم مدى قوة مواردها البشرية ورسوخ الأيديولوجية السياسية التي تنظم تلك الموارد طبقاً لها وبالتالي تروج الدولة من خلال الألعاب الرياضية جملة من القيم السياسية في الميدان الدولي

2- الألعاب الرياضية كأداة لاكتساب الشرعية الدولية

توظف بعض الدول الألعاب الرياضية للحصول على اعتراف الدول الأخرى بشرعيتها أو بشرعية نظامها السياسي ومن المعروف أن مشاركة الدول في دورة الألعاب الأولمبية يعتبر اعترافاً بالشرعية السياسية لتلك الدولة كما أن التقاء فريقين رياضيين من دولتين مختلفتين يعد اعترافاً ضمنياً من كل دولة بالأخرى وتتضح تلك الوظيفة في حالات مثل المانيا سابقاً وإسرائيل.

3- الألعاب الرياضية كأداة لإنكار الشرعية السياسية للخصوم

يعتبر حرمان بعض الدول من المشاركة في الدورات الرياضية يعتبر أداة لإنكار شرعيتها السياسية للخصوم مثل جنوب افريقيا وإسرائيل

4- الألعاب الرياضية كأداة للمقاطعة الدولية

كثيراً ما امتنعت الدول عن المشاركة في المباريات الرياضية الدولية كتعبير عن احتجاجها على سياسة معينة تتبعها الدولة المضيفة للمباريات على ارضها مثل مقاطعة الدول العربية دورة 1980 الأولمبية في موسكو احتجاجاً على التدخل السوفيتي في أفغانستان ومقاطعة الاتحاد السوفيتي دورة لوس انجلس 1984

5- الألعاب الرياضية كأداة لتأكيد السياسة الخارجية

تستخدم الدول الألعاب الرياضية في بعض الأحيان كرمز لتأكيد تصميمها على اتباع سياسة خارجية معينة مثل تصميم كندا على استضافة أولمبياد مونتريال 1976 وعلى عدم السماح للصين بالمشاركة تحت مسمى جمهورية الصين لان كندا لا تعترف بجمهورية الصين

6 الألعاب الرياضية كأداة لحصول على مكانة دولية رمزية

تحاول الدول النامية استخدام الألعاب الرياضية للحصول على مكانة دولية رمزية من خلال تنظيم الدورات الرياضية والمشاركة فيها والفوز فيها بحيث تحاول أن تثبت تلك الدول كفاءتها البشرية وأهليتها التنظيمية وقدرتها على مناطحة الدول الكبرى على الأقل في ميدان الرياضة

7- الألعاب الرياضية كوسيلة لاختبار النوايا

ربما تلجأ بعض الدول إلى إجراء مباريات مع الفرق الرياضية لدولة معينية لاختبار ردود أفعال تلك الدول وغيرها من الدول تجاه سياسة معينة حيث اتبعت أمريكا دبلوماسية  ال بينج بونج عندما قررت الولايات المتحدة الاعتراف بجمهورية الصين وكان القرار بمثابة تغير جذري حيث أرسلت الولايات المتحدة فريق كرة الطاولة للمشاركة في مباريات مع فرق صينية لاختبار ردة فعل الشعب الأمريكي والدول الأخرى عام 1972 حيث اعقب تلك المباريات الاعتراف من قبل أمريكا  وايضاً عام 2008 مباره كرة قدم بين تركيا وأرمينيا  حيث زار الرئيس التركي عبدالله غول أرمينيا لحضور المبادرة

8- الألعاب الرياضية كوسيلة لتحسين العلاقات بين الدول

من الغريب أن تستخدم الدول الكبرى الألعاب الرياضية كأداة لتحسين علاقتها السياسية والاقتصادية مع الدول المجاورة وتتعمد هذه الدول ارسال فرق ضعيفة او متوسطة وتتعمد على الغالب أن تخسر او تتعادل في هذه المباريات لكي تدعم الكبرياء الوطني للدولة المضيفة وتخلق جو من الطمأنينة وحسن الجوار وتحسين العلاقات معها مثلما اعتاد الاتحاد السوفيتي ارسال فرق الى تركيا ودول أوروبا الشرقية وايضاً الولايات المتحدة الامريكية في عهد الرئيس كارتر 1977 في كوبا أو مكافأة دولة معينية مثلما فعلت ليبيا بانسحابها لصالح الجزائر 1989 في نهائي تصفيات القارة الافريقية لمساندتها ليبيا ضد العدوان الأمريكي

 

الألعاب الرياضية والصراع الدولي

من خلال ما سبق نجد أن هذه الألعاب هي مدعاة لإثارة الصرعات أكثر منها أداة للتقريب بين الشعوب ويعتبر ما حدث في مباريات نهائيات كأس العالم بين منتخبي الجزائر ومصر 2009 خير مثال على ما سبق فلم تحظى مباره كرة قدم بقدر كبير من الاهتمام من القيادات السياسية في البلدان الثلاثة مصر والجزائر والبلد المضيف السودان  وفي الرأي العام والاعلام والتحام الجماهيري والتعصب الكروي المصحوب العنف مثلما حظيت مبارة التأهل لكأس العالم في جنوب افريقيا بين الفريقين في السودان حيث تم حشد 15 الف شرطي سوداني لتأمين تلك المبادرة التي فاز بها المنتخب الجزائري وكادت أن تودي الى توتر في العلاقات بين البلدين على اثر التعديات على المصرين المقيمين في الجزائر كلف الرئيس حسني مبارك وزير الخارجية باستدعاء السفير الجزائري في القاهرة لكي ينقل لبلاده مطالبة مصر بتحمل مسؤوليتها في حماية المصريين على ارضها وحماية مختلف المباني والمنشآت والمصالح المصرية كما استقبل حسني مبارك الفريق المصري في القصر الرئاسي تقديراً لهم.

وترتبط الألعاب الرياضية بالصراع الدولي على مستويين

المستوى الأول: هو أنها ساحة من ساحات الصراع السياسي

والمستوى الثاني: هو أنها تشكل مناسبة لإثارة الصرعات الدولية الدفينة

والمتأمل لتطور الحركة الأولمبية أن تلك الحركة لم تخل إطلاقاً من الصرعات السياسية منذ 1894 حيث شاهدنا العداء الفرنسي الألماني بسبب الحلف الفرنسي الروسي والعداء العثماني اليوناني سنة 1896 ومناخ الحرب الباردة 1952 على أولمبياد هلسنكي حيث امتنع اللاعبون السوفييت عن التخاطب مع نظرائهم الأمريكيين وكثيراً ما تتحول المباريات مثل الهوكي الجليدي الى ساحات للقتال بين اللاعبين وفي المدرجات بين المشجعين كما حدث في بروكسيل بين المشجعين الانجليز والايطاليون في معركة دامية راح ضحيتها 26 قتيلاً

 

 

حرب كرة القدم بين السلفادور وهندوراس

اكتسبت هذه الحرب شهرتها نتيجة ارتباطها بمبارة كرة قدم 1969 سقط نتيجتها 2000 قتيل نتيجة المهاجرين واتهامات من قبل هندوراس بتهمة السيلفادور بأساءة استضافة فريقها وقيام الجماهير بتظاهر حول الفندق الذي يقيم فيه فريق الهندوراس لمنعه من الراحة قبل المبارة أدى الى مقتل بعض السلفادورين في هندرواس أدت الى قطع العلاقات الدولية حيث أدت الحرب الى تعطيل مشروع السوق المشتركة لدول أمريكا الوسطى

 

خلاصة

هل هناك مخرج

لعل التحليل السابق قد أوضح أن الألعاب الرياضية تتدخل تدخلاً شديداً بالعلاقات السياسية الدولية ولهذا التدخل في اغلب الأحيان اثار سلبية على تلك العلاقات، فهل هناك ثمة سبيل إلى إعادة المفهوم الأصلي للألعاب الرياضية باعتبارها عملية رياضية بحتة والاقلال من التدخل بين السياسة والألعاب الرياضية الدولية؟

يبدو لسوء الحظ أنه لا يوجد ثمة وصفة سهلة لتحقيق هذا الهدف لاعتبارات لا تخفى على القارئ بعد ماسبق ولكن بعض الدارسين قدموا اقتراحات معينية تهدف الى الاقلال من وجود السياسة في البطولات الدولية وفي الدورات الأولمبية وتدور حول إضعاف دور الدولة في تلك الدورات وتدعوا بعض هذه المقترحات الى تجاوز الاطار التنظيمي الدولي الراهن ببناء جديد يحل محل اللجنة الأولمبية تمثل فيه الدول بشكل متكافئ نسبياً في عدد السكان وايضاً قدم الدارسون أعادة تنظيم الدورات بحيث لا ترفع اعلام الدول ولا يعزف النشيد الوطني وتعطى الجوائز للاعبين بأسمائهم الحقيقية دون ذكر دولهم وأقامة مقر دائم في اليونان للألعاب الأولمبية

 

 

عن ndhb6iU8LS

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *