العقل السياسي العربي – محدداته وتجلياته

 

قراءة في كتاب

العقل السياسي العربي – محدداته وتجلياته

محمد عابد الجابري

 

غياث أحمد دك

 

مقدمة

محمد عابد الجابري. سيرة مفكر

ولد محمد عابد الجابري نهاية عام 1935 في مدينة فكيك شرقي المغرب، وارتقى في مسالك التعليم في بلده، حيث قضى فيه 45 سنة مدرسا ثم ناظر ثانوية ثم مراقبا وموجها تربويا لأساتذة الفلسفة في التعليم الثانوي، ثم أستاذا لمادة الفلسفة في الجامعة.

حصل عام 1967 على دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة، ثم دكتوراه الدولة في الفلسفة عام 1970 من كلية الآداب التابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط، وعمل أستاذا للفلسفة والفكر العربي والإسلامي بالكلية نفسها.

انخرط الجابري –الذي أعلنت يوم الاثنين 5\9\2010وفاته في مدينة الدار البيضاء المغربية-في خلايا المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي للمغرب بداية الخمسينيات من القرن الماضي، وبعد استقلال البلاد اعتقل عام 1963 مع عدد من قيادات حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، كما اعتقل مرة ثانية عام 1965 مع مجموعة من رجال التعليم إثر اضطرابات عرفها المغرب في تلك السنة.

كما كان قياديا بارزا في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية فترة طويلة، قبل أن يقدم استقالته من المسؤوليات الحزبية في أبريل/نيسان 1981، ويعتزل العمل السياسي ليتفرغ للإنتاج الفكري.

 

كتاب نقد العقل السياسي العربي – محدداته وتجلياته

مقدمة: قدم الدكتور محمد عابد الجابري سلسلة كتب في بنية العقل العربي ونقد العقل العربي وهذا الكتاب الثالث من هذه السلسلة المسمى نقد العقل السياسي العربي محدداته وتجلياته، تناول بنية العقل العربي والمورث الفكري السياسي للعقل العربي، قسم الدكتور الجابري هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام مع مقدمة أو مدخل حوالي 52 صفحة بخط صغير وهم الجزء الأهم في هذا الكتاب يشرح فيه مجموعة من المفاهيم التي سوف يستخدمها في نظرته لشرح تاريخ والمفاهيم السياسية الاسلامية.

المدخل: مقاربات في المنهج والرؤية 

الجزاء الأول: المحددات وفيها تناول المفاهيم وتطبيقها على سياق تشكل الدولة في الإسلام. في شرح مفاهيم من الدعوة إلى الدولة – العقيدة – القبيلة – الغنيمة والقبيلة – الغنيمة –العقيدة-

الجزء الثاني: سماه تجليات: نشأت وتطور الدولة الإسلامية في إطار نفس المفاهيم والمحددات السابقة – شرح لدولة الملك – ميثولوجيا الامامة-والأيديولوجية السلطانية وفقه السياسة.

 

أولاً-المدخل: مقاربات في المنهج والرؤية:

في إطار المدخل يوضح الجابري ثلاثة مفاهيم يرى أنها هي التي سوف تشرح لنا بنية العقل السياسي العربي، المفاهيم هي موجودة في علم النفس، اللاشعور السياسي، المخيال السياسي، والمجال السياسي. وهذه المفاهيم موجودة في الغرب ولها حضورها في علم الاجتماع وعلم السياسة الغربي لكن الجابري أدخلها مقصد بسبب خلفيته الفلسفية.

  • اللاشعور السياسي:

يعرفه الجابري هو السلوك الذي يصدر عن الفرد بدون إرادة، ويتمثل في أي سلوك لا إرادي ضمن ممارسة العملية السياسية، ويعتبر فرويد مؤسس علم النفس الحديث الذي أعتبر اللاشعور مسؤولا عن سلوك الفرد، وبعد فرويد جاء تلميذه يونغ ليعطي مفهوم اللاشعور أبعاد أخرى، ليعطيه إضافة للغرائز المكبوتة، بقايا نزوعات وعواطف جمعية تنتمي إلى ماضي البشرية القريب منه والسحيق التي تشكل نوعاً من اللاشعور الجمعي، حتى يرجعها إلى زمن مكوث آدم في الجنة إلى ما قبل نزوله إلى الأرض، حيث وسعه يونغ ليشمل المجتمع كله، وأيضاً هناك مفكر ثالث تحدث عن اللاشعور السياسي وهو الفيلسوف ريجيس دوبري: الذي أقتبس منه الجابري توظيفه لمفهوم العقل السياسي الذي يجعل من اللاشعور السياسي مفهوماً خاصاً ومستقلاً، وهو يساري ماركسي وصديق لجيفارا حيث “يوضح اللاشعور السياسي أنه موجود في جذور الظاهرة الاجتماعية كقوة لاعقلانية  تفسد قوانين المنطق تشكل الديانات والايديولوجيات أكثر أعراضه وضوحاً هذه القوة لا تتحكم في تأثيرها وفعلها الإرادة الصريحة للأفراد إنها شيء من قبيل السحر تنتمي إلى عالم الاسرار”

ومعنى ذلك أن اللاشعور شيء نحن نتصرف فيه بغير إرادتنا وفي نفس الوقت لا يحكمه منطق، وإذا كانت وظيفة اللاشعور السياسي عند دوبري هي إبراز ما هو عشائري وديني في السلوك السياسي الأوروبي، فإن وظيفته بالنسبة لنا نحن العرب والمسلمين تكون بالعكس، وهو إبراز ما هو سياسي في السلوك الديني، فالتجربة الثقافية عندنا قديماً وحديثاً يكون فيها النسق الاجتماعي مؤسسا للنسق السياسي، والسياسي يؤسس الأيديولوجي، والايديولوجي يؤسس التمذهب الديني.

في النهاية اللاشعور السياسي هو التصرفات اللاعقلانية الموجودة في الشعور الجمعي.

  • المخيال الاجتماعي:

 وهو مفهوم يستعيره الجابري من علم الاجتماع المعاصر وهو سلوك واعي، الذي ينطلق في تعريفه لماكس فيبر للفعل الاجتماعي بكونه نشاط يحمل معنى يشد إليه الفاعلين فينظمون سلوكهم، بعضهم إزاء بعض على أساسه فيقول: الواقع إنه أي الفعل الاجتماعي يفترض من أجل إنجازه أن يندمج كل سلوك فردي في عمل يحمل طابع الاستمرارية وإن تنتظم التصرفات وتتجاوب بعضها مع بعض طبقاً لقواعد ضمنية مستمرة حسب ما ينتظره كل منها من الاخر، فالممارسة الاجتماعية تنظم شتات الافراد وتوجههم نحو أهداف مشتركة، تفترض وجود بنية معقدة من القيم والاندماج المحمل بمعاني ودلالات، كما تفترض لغة رمزية اجتماعية شيفرة مستمرة، فمخيالنا الاجتماعي العربي هو الصرح الخيالي  المحمل برأسمالنا من المأثر و البطولات والملاحم والمعاناة التي نعيشها اليوم، الصرح الذي يسكنه عدد من رموز الماضي مثل أمرؤ القيس وحاتم الطائي و عمر بن الخطاب، خالد بن الوليد، هارون الرشيد، الف ليلية وليلة، صلاح الدين الايوبي، أبو زيد الهلالي، جمال عبد الناصر، بالإضافة إلى رموز الحاضر طبعاً هذا الكتاب مؤلف  نهاية القرن الماضي حيث ظهرت رموز جديدة وخصوصاً بعد ثورات الربيع العربي، وهذا المخيال العربي يتجلى في فكر أي مواطن عربي من خلال استرجاع احداث الماضي وشخصيات الماضي  التي تعطي العقل السياسي تصورات عن هذا الموضوع، فالعقل السياسي العربي عند الجابري كممارسة وايديولوجيا يجد مبادئه في المخيال الاجتماعي وليس في النظام المعرفي، بمعنى أن الذي يحرك المجتمعات العربية ليست المعرفة العلمية إنما اللاشعور السياسي أو المخيال الاجتماعي، فهذا المخيال هو مجال القناعات التي تسود فيه حالات الايمان والاعتقاد وهو الذي يعطي للأيديولوجيا السياسية بنيتها اللاشعورية.

 

  • المجال السياسي:

 وهو أهم مفهوم في هذه المفاهيم الثلاثة في هذا المدخل، وإذا دققنا فيه يمكن اسقاطه على ثورات الربيع العربي، فما هو المجال السياسي، هو موجود في أوروبا الدولة الأوروبية الحديثة دولة المؤسسات والقوانين والمصلحة العامة، في مقابل دولة الطاغية نتيجة ظهور مجال جديد هو المجال السياسي، كانت أوروبا قبل القرن السابع عشر يتحكم فيها الكنيسة من طرف والأمير من طرف أخر، فبعد أن كان الأمير ينافس الكنيسة ظهر طرف ثالث وهو المواطن الحر الفرد، ومن هنا كانت الفردية الأوروبية جزء من مكون الحالة السياسية الحديثة، لقد أدى تفسخ النظام الاقطاعي إلى صعود الطبقة الثالثة، فبعد أن كان المجتمع يتشكل من النبلاء ملاك الأرض ورجال الدين، برزت فئات اجتماعية لتمارس السياسة من خلال الانتخابات، وهي التي أسست البرلمان والمجتمع المدني وهي نفس الطبقة الثالثة التي أسست الأحزاب، والجمعيات الاهلية وفيما بعد النقابات، وجميع هذه الإنجازات لم يكن لرجال الدين ولا للنبلاء أي دور في ظهورها، كل شيء أصبح حراً ومزدهراً  ويسير نحو الأفضل بدون سيطرة النبلاء ورجال الدين وبدون وجودهم اصلاً فلا دور لهم في العمل الاجتماعي المهم، فلقد انتهى نظام الولاية على البشر والوصاية على عقولهم وضمائرهم، بمعنى ذلك في الغرب انتهاء الاقطاعية وظهور البرجوازية، وما رفقها من نظريات ليبرالية فردية فكرية، وظهور الطبقات الوسطى في المجتمع التي استخدمت العلم وكانت محرك للمجتمعات الغربية، والتي شاركت في الحياة العامة.

يجري الدكتور محمد عابد الجابري مقارنة بين التطورات السياسية في أوروبا حيث قامت الدولة الحديثة التي تستمد شرعيتها من إرادة الشعب وتحقق مطالبه، وبين استمرار دولة الطاغية ومصلحة القبيلة هو السائد في المجتمعات العربية، ففي النظام الرأسمالي ينقسم المجتمع إلى بنيتين بنية تحتية تمثل الصناعة والاقتصاد قاعدتها والتي تمثل الصناعة قاعدتها وعمودها الفقري، وبنية فوقية قوامها أجهزة الدولة ومؤسساتها والأيديولوجية الدينية والثقافية والفن، أما المجتمعات التي لم تتطور إلى الرأسمالية لا تعرف التمايز أي أن المجتمع الرأسمالي يضم في تكوينه طبقات متمايزة والماركسية نشأت لمحاربة الطبقات هذه أو ما يسمى بالصراع الطبقي، وأما المجتمعات الأخرى تتداخل عناصر المجتمع في بنية واحدة إنها السمة التي تميز مجتمعات ما قبل الرأسمالية، يرى الجابري أن هذا الفارق يستحق التوقف عنده ليس بسب أن المجتمع  العربي ينتمي إلى هذا النوع من المجتمعات، بل أيضاً إن طرح العلاقة بين الفكر والواقع الذي هي محمور اهتمامات الجابري الذي سوف يتطرق اليها لاحقاً، حينما يتكلم عن العلاقة بين الفكر والواقع، سيبقى طرحاً غير مفيد إذا لم يكن قائما على تصور واضح لوضعية المجتمع، لذلك نرى الجابري يعارض الماركسية التقليدية ماركسية ستالين، التي تقول انتقال المجتمع عبر التاريخ، ويقول الجابري هذا الطرح يمكن أن ينطبق على أوروبا ولا يمكن أن ينطبق على اليابان أو أمريكا اللاتينية أو دول الشرق أو افريقيا، لذلك الجابري يعارض هذا الطرح الذي حاولت من خلاله الماركسية طرح قوانين الماديات التاريخية باعتبارها القوانين التي تعطي  شمولية عامة قادرة على تفسير كل المجتمعات في كل العصور، لتوضيح ذلك يعرض الجابري نظرية أحد الفلاسفة الماركسيين  اسمه جون لوكاتش، الذي يرى أن المجتمعات ما قبل الرأسمالية يختلف الوضع فيها فإذا كان الانقسام في المجتمع الرأسمالي إلى طبقات  فإن الأمر الثابت في المجتمعات العربية هو الانقسام إلى جماعات تتمايز عن بعضها، في الحسب والنسب والجاه، والمال والحرفة أو بالمذهب الديني، والعالم العربي لا يمتلك طبقات بالمعنى العلمي الذي حددته نظريات علم الاجتماع السياسي وأهمهم النظرية الماركسية، فهي جماعات تحركها المصالح الاقتصادية ولكن بما أن الاقتصاد لم يكن قد تطور إلى درجة تجعل منه محدد للعلاقات فإن الوعي الذي يحرك الصراع بين هذه الطبقات في العالم العربي لم يكن الوعي الطبقي بل كان الوعي الفئوي والعصبية القبلية والتعصب المذهبي والديني أو الطائفي، ولقد تجلى هذا الكلام بوضوح في سورية بعد الثورة السورية والجميع شاهده وعاش التجربة،

ولمزيد من التوضيح يذكر الجابري الرؤية التي طرحها فيلسوف أخر هو المفكر والفيلسوف أيون بانو الذي يؤكد على وحدة البنية في المجتمعات الفردية وأن الجابري ينتمي إلى البنية اليسارية في علم الاجتماع، حيث تقوم وحدة الدولة ووحدة المجتمع في نفس الوقت بسبب ما تقوم به الدولة من مهام اقتصادية، وأن الصراع في هذه الدول يتم بين الارستقراطية والفلاحين، هذه الوحدة تشكل في ذهن الانسان الشرقي وحدة شاملة وحدة البلد الكل فالبلد يقوم على سلطة الحاكم الفرد المستبد وهو في غالب الأحيان إله، وهكذا تتشكل أيديولوجيا قوامها منظومة من المفاهيم المرتبة توحد بينها الألوهية والطاغية المستبد والوظائف السياسية المستمدة من القانون الأخلاقي والدين ونظام الكون، من تجدد الخصب والنماء والمياه، وكل ذلك كان يتم بإرادة الحاكم الإله، إذاً في فرق بين المجتمع الرأسمالي الذي يضم طبقات متمايزة وبين المجتمعات التي لم تعرف الرأسمالية.

ينتقل الجابري لنظرية فوكو: حول مفهوم الراعي والرعية، وهذه النظرية سوف توضح الموضوع بشكل كلي، فالراعي في الفكر الشرقي القديم يمارس السلطة على قطيع، فالملك لله والملك يملك الأرض ومن عليها قد يمنح الرعايا حق استغلال الأرض وقد ينزعها منهم، أما الإله عند الاغريق أو مفهوم الآلهة عندهم، فإنهم يملكون الأرض ولا يملكون البشر، فهم لا يسيطرون على البشر ولكن العلاقة بينهم تمر عبر الأرض، لأن الآلهة يتحكمون في الناس بواسطة التحكم في الفصول، والخصب والرياح والعواصف والامطار والصواعق، ومهمة الراعي عند الاغريق مهمته جمع شمل الرعية وقيادتها، أما مهمة الرئيس السياسي عندهم هي أن يسود الامن داخل المدينة، الفرق الجوهري في ممارسة السلطة و دافعها أن الرئيس عند الاغريق تكون قراراته لصالح الجميع وبموافقتهم، لذلك كنا نرى القرارات في أثينا تؤخذ في المجلس العمومي في الميدان وعلى العلن وبالإجماع،  وفي نفس الوقت إذا قام الرئيس بالواجب فثوابه تخليد الشعب له، أما الراعي فهو يسهر على قطيع ويدبر لهم  طعامهم بينما القطيع نائم، والراعي يفعل ذلك بدافع الإخلاص وليس بدافع الخوف.

نهاية المقدمة يعود الجابري إلى ابن خلدون، يقدم ابن خلدون ثلاثة مفاتيح للعقل السياسي العربي على حد وصف الجابري، السلوك العشائري، والتطرف الديني، والاقتصاد الريعي، حيث ظل ابن خلدون يوظف هذه المفاهيم للتجربة الحضارية العربية إلى عهده، كما استخدمها الجابري كمفاتيح لقراءة التاريخ السياسي العربي.

حيث وظفها الجابري في الكتاب بأسماء القبيلة والعقيدة والغنيمة وهذه المفاتيح الثلاثة هي التي سوف يفتح بها محمد عابد الجابري العقل السياسي العربي.

1-القبيلة من وجهة نظر الجابري:

 ليست القبيلة عند الجابري العشيرة والروابط العشائرية انما هي طريقة في الحكم او السلوك السياسي يعتمد على ذوي القربة بدل الاعتماد على ذو الخبرة والمقدرة، ليس المقصود قرابة الدم فقط بل المقصود القرابة المشحون بالانتماء للمدينة او جهة او طائفة (بالمعنى السوري الحالي المناطيقية التي ظهرت في الثورة السورية)

2-الغنيمة:

هي ما يفرضه الغالب على المغلوب من إتاوات وضرائب سواء كان الغالب أميراً او فئة او دولة او جماعة، وتقوم بدور العامل الاقتصادي في المجتمعات التي تعتمد على الخراج او الربح في الانفاق، والمقصود هنا جميع ما كانت الدولة في الإسلام تأخذه كجباية، من فيئ وهي غنائم الحروب، والجزية وهي التي تفرض على غير المسلمين من اهل الكتاب، والخراج التي تدفع عن الأرض المفتوحة الأراضي الزراعية، وهي الأسس الثلاثة للاقتصاد الإسلامي في وقت الفتوحات.

3-العقيدة:

ليس المقصود الدين في ذاته وإنما هي مضموناً على شكل دين روحي أو أي أيديولوجيا، ومفهوم على صعيد الاعتقاد إنه المنطق الذي يحرك الجماعة ليس على أسس معرفية مثله مثل اللاشعور السياسي او المخيال الاجتماعي، بل على رؤوس تؤسس الجمال والاعتقاد، فالإنسان يؤمن بمعزل عن الاستدلال وعن اتخاذ القرار، قد لا يسأل المسلم فيما يخص المعرفة ولكنه لا يقبل أن تمس عقيدته، لا يتشدد في الدفاع عن صحة قضية معرفية، لكنه يضحي بحياته ويستشهد في سبيل عقيدته، مثل مفهوم الجهاد، والمهم في كل عقيدة ليس ما تقرره من حقائق ومعارف بل المهم هو قوتها وقدرتها على تحريك الافراد، والجماعات وتأطيرهم داخل القبيلة الروحية ومن هنا جاء الارتباط العضوي بين العقيدة و الفعل الاجتماعي والسياسي.

في النهاية القبيلة والعقيدة والغنيمة من وجهة نظر الجابري: حكمت العقل السياسي العربي في الماضي وما زالت تحكمه إلى يومنا هذا والنتيجة من وجهة نظر الجابري نكسات فتحت الباب لعودة العشائرية والعقيدة والتطرف الديني والعقائدي لتسود الساحة السياسية العربية، ليجعل حاضرنا مشابهاً لماضينا وغارق فيه، وأصبحت القبيلة محركاً للسياسة والغنيمة تلعب دور الاقتصاد والعقيدة دافعاً للفعل.

طبعاً استعرض الجابري أسماء فلاسفة لم اتطرق لهم من اجل الاختصار والفائدة فيما ذكرنا كافية.

 

 

 

الفصل الأول: محددات

من الدعوة إلى الدولة العقيدة

هدفنا في هذا الفصل ليس عرض العقيدة الإسلامية فهي معروفة، إنما يهمنا من الدعوة المحمدية هو المظهر السياسي فيها، وما كان لها من دور في تشكيل المخيال الاجتماعي السياسي للجماعة الإسلامية الأولى من جهة وما أثارته من ردود فعل ذات طابع سياسي لدى خصومها، الملأ من قريش من جهة ثانية، أما مسألة ما إذا كانت الدعوة المحمدية قد حملت منذ انطلاقتها مشروعاً سياسياً معيناً وهو الذي حققته أي إقامة دولة العرب في مواجهة دول الروم وفارس، فهذه من الأمور التي فيها نظر كما يقول القدماء.

فعلاً تذكر المصادر التاريخية ما يفيد أن الدعوة المحمدية كانت تحمل منذ بدايتها مشروعاً سياسياً واضحاً هو القضاء على دولة فارس والروم والاستيلاء على كنوزهما، وتذكر المصادر أن عفيف الكندي وكان تاجرا فقدم إلى مكة أيام الحج، فأتيت بيت العباس ونحن عنده قام رجل تجاه الكعبة يصلي ثم خرجت امرأة تصلي معه ثم خرج غلام يصلي معه، فقلت يا عباس ما هذا الدين، فقال هذا محمد بن عبد الله ابن اخي زعم أن الله قد أرسله وأن كنوز كسرى وقيصر سوف تفضي إليه، وهذه خديجة زوجته وهذا علي بن ابي طالب أمنوا معه، وأيم الله لا اعرف على ظهر الأرض على هذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة، فقال عفيف: ليتني كنت رابعاً.

دولة قبيلة وضحت هذه الحادثة أن الدعوة الإسلامية قد افصحت عن مشروعها السياسي منذ أيامها الأولى وهو الاستيلاء على كنوز الروم والفرس، أي منذ أن كان عدد المسلمين ثلاثة على وجه الأرض، غير أن هذه الرواية ليست الوحيدة عن كنوز كسرى والروم أي حينما ذهب كبار قريش يشتكون من سيدنا محمد إلى عمه أبو طالب قبيل وفاة الأخير قال لهم (كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم) أي كلمة التوحيد واعتناق الإسلام، إذا تجمع الروايات على وجود مفاوضات سياسية بين النبي محمد ص وبين القبائل مثل بني عامر بن صعصة وغيرها، أن الدعوة المحمدية كانت ذات مشروع سياسي واضح رافقها منذ منطلقها وبقيت محتفظة به وتعمل من اجله إلى أن حققته، ومع ذلك نحن نتحفظ من أخذ هذه الروايات على أساس للحكم أن الدعوة المحمدية كانت ذات مشروع منذ البداية تتمثل في فتح بلاد فارس والروم، وأن الدعوة جوهرها ومضمونها دينية أولا وأخيراً.

عقيدة —وقد مرت هذه الدعوة بعد ذلك في طور الدعوة السرية ومهمتها تكوين الجماعة الإسلامية وكان الدور الأساسي لإنشاء هذه الجماعة الأولى للعقيدة، خاصة من طرف الرسول ومن أمن معه، في مرحلة الدعوة السرية التي دامت ثلاث سنوات تناولت السور التي نزلت من القرآن وهي أكثر من سبعين آية وفيها موضوعات يرتبط الديني بالدنيوي، محمد بشر، وهو رسول من الله يوحى إليه، بواسطة جبريل، هناك إله واحد، هناك بعث، وحساب وجزاء، إما جنة وإما نار، والمصير الذي يلقاه الانسان في اخرته يتحدد بواسطة عمله في الدنيا، لم يكن هناك أي آيات للصبر والمسالمة، خلال فترة الدعوة السرية.

عقيدة وغنيمة لما انتقلت الدعوة إلى الجهر وزاد عدد الذين أمنوا بهذه الديانة الجديدة، بدأ الهجوم على الأصنام، وهذا التطور الجديد في مسار الدعوة والعمل الدعوي رافق زيادة عدد المؤمنين، كما تضمنت هذه الفترة برنامج جديد يقوم على العقيدة، بالتأكيد على نبوءة محمد ص، وحدانية الله، ونفي الشرك عنه، الحث على الانفاق على الفقراء والمساكين وفي سبيل الله، لأن عدد كبير من الذين أمنوا في هذه المرحلة هم من العبيد والفقراء والضعفاء، فكان لابد في هذه المرحلة من آيات تحض على الانفاق، لكي يستطيع هؤلاء الضعفاء إيجاد قوتهم ومن يعول بهم له أجر عظيم، والتذكير بالأقوام الماضية الذين كذبوا رسلهم، والذين أذوا الرسل، ومصيرهم، ولفت الانتباه إلى نظام الكون ودلائل وجود خالق له، كان الملاء وهم قريش وأهل سيدنا محمد، إنها تستهدف الإطاحة بأسس كيانهم الاقتصادي، وسلطتهم السيادية، فالهجوم على الاصنام والدعوة إلى عبادة إله واحد هو الإطاحة بما كان يشد القبائل العربية للحج وما يرتبط به من تجارة وبالتالي القضاء على مصدر سلطة قريش الاقتصادية والسياسية، ولغاية هذه اللحظة لا يوجد سوى صراع على النفوذ.

قبيلة – برز دور القبيلة أثناء الدعوة المحمدية في مرحلها الأولى السرية والجهرية في مكة، حيث قامت القبيلة بدورين مختلفين، فمن جهة خصوم وهم الملاء من قريش وبطونها ماعد بني هاشم، حيث قام الملاء في حصار الدعوة في البداية فلم يتجاوز عدد المسلمين في المرحلة المكية 154 شخص فقط في مدى ثلاثة عشر عاماً، ومن جهة أخرى وفرت القبيلة الحماية والمنعة للرسول والمسلمين والمستضعفين، فكانت عاملاً اساسياً في بقاء الدعوة حية كما أن القبيلة كطرف اجتماعي يتم بواسطتها كسب الغنيمة والدفاع عنها.

الهجرة – دولة – غنيمة: مع الهجرة تبدأ مرحلة تأسيس الدولة ونزول آيات الحرب، حيث لم تنزل ولا آية واحدة طوال الفترة المكية تذكر الحرب، وتحث عليها بل كان كل الآيات عن الصبر وتحمل الأذى، فالصراع مع قريش سينتقل إلى مرحلة أرقى، مرحلة ضرب المصالح بتعقب القوافل التجارية والهجوم عليها، ووهي من المظاهر الطبيعية وغير مجرمة عند القبائل العربية الاغارة والغزو والسلب والنهب وسبي النساء.

بعد استسلام قريش ودخولها في الإسلام انتقلت الدعوة على مرحلة العمل على ادخال القبائل العربية الأخرى في الإسلام طمعاً أو كرهاً، في هذه المرحلة تضافرت أدوار القبيلة مع الغنيمة، فالغنيمة تقوي دور القبيلة وتجعلها قادرة على فرض سطوتها، كما أن دخول الغنيمة في كيان الجماعة ولو في إطار خدمة الدعوة كان له دور في دخولها إلى عقول الافراد، ومن ثم تصبح الغنيمة من الحوافز التي تحرك البعض، هكذا صارت الغنيمة حاضرة في غزوات النبي والخلفاء من بعده يجهزون بها الجنود، ويحفزون بها النفوس.

في هذه المرحلة كان دور العقيدة مضمحل، لأن دور الغنيمة والقبيلة هو البارز على المشهد، تدل القرائن والشواهد التاريخية، على أن قريشاً وسكان الجزيرة العربية لم يكونوا يعطون للدين وزناً كبيراً في حياتهم، رغم وجود مراكز لليهود والنصارى والصابئة، فإن العقيدة الدينية لم تكن ذات وزن في حياة عرب ما قبل الإسلام، وحتى ما بعد الإسلام على حد قول الجابري، ومما يثير الانتباه أن مكة أكبر مركز ديني في الجزيرة العربية لم يكن فيها رجال دين، فالسدنة كانوا مجرد خدم ينحصر دورهم في فتح الأبواب والرعاية المادية لأماكن وجود الاصنام، ولم يكن ذلك منصباً دينيا ولا تطوع تخصصي في أمور الدين، وأن الاصنام لم تكن لقريش ذلك المقدس الذي يموتون من أجله ولذلك شاهدنا عندما أراد إبرها الحبشي هدم الكعبة قال له زعيم قريش وجد الرسول عبد المطلب للبيت رب يحميه، ولا كانت معبودات قومية يثور الناس للدفاع عنها، إنما كانت مصدر للثروة واساساً للاقتصاد، حيث كانت مكة مركزاً للآلهة الخاصة بالقبائل العربية تحج إليها وتقدم لها القرابين، وتقيم أسواقاً حولها،  فكانت مركزاً تجارياً للعرب جميعاً وأيضاً لأسباب جغرافية ووقوعها على طرق التجارة الدولة في ذلك الوقت، وهي محطة رئيسية بين الهند وأوروبا، لذلك كان الهجوم على الاصنام يمس عائدات الحج وما يقترن به من مكاسب التجارة المكية والدولية.

الغنيمة والخوف من فقدانها ما جعل قريش تحارب الدعوة المحمدية

كما كانت القبيلة هي المرجع والمرجح لاختيار الخليفة كما كان في سقيفة بني ساعدة، وكانت الردة تراجعاً عن مبدأ العقيدة، وكانت الغنيمة سبباً للفتنة، لما ولى عثمان اقربائه وافراد اسرته، وهكذا أصبحت هذه المحددات القبيلة والغنيمة والعقيدة اساساً للعقل السياسي العربي بعد الإسلام.

الفصل الثاني

التجليات

بين الجابري بعد الفتنة الكبرى بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، قد تجلى في ظاهرة الملك التي أسسها معاوية انتقالاً من دولة الشورى التي يؤسس فيها الدين السياسي ويحكمها تكون فيها السياسية تطبيقاً للدين وخادماً له، إلى دولة الملك الجبري الوراثي، التي يحكمها منطق القوة دولة جديدة في الإسلام تقوم على منطق القبيلة، لأن معاوية اساساً نجح في نقل الحكم من قريش إلى بني أمية وإلى البيت السفياني، وهم الأقل إسلاما مقارنة بالهاشمين، الخلافة فيها ليست للعرب كلهم إنما لقريش، وليست لقريش كلهم إنما لبني عبد مناف وحدهم، وليست لبني عبد مناف كلهم بل لبني أمية وحدهم وليست لبني أمية كلهم بل لأبناء أبو سفيان وحدهم، وبعدها لبني امية، ولتثبيت منطق القبيلة اتخذ بني امية منطق الغنيمة لتحفيز المؤيدين وأداة لكسب المعارضين، لأن معاوية على عكس الخلفاء الراشدين في توزيع الغنائم، ويرى الجابري أن حكم معاوية كان فيه شكل من اشكال الليبرالية حيث كسب ود معارضيه بالعطايا، وسمح بتكوين المعارضة والمذاهب ويعطيهم لكي يتوقفوا في أمور السلطة والحكم، وكل ذلك مسموح بعقيدة جبرية لا ترحم، مفادها ما قاله معاوية وهو يأخذ البيعة لابنه يزيد في ولاية العهد: إن أمر يزيد قضاء وقدر وليس للعباد فيه خيرة من أمرهم”، ولمزيد من تثبت اركان الدولة قال المتكلمون والفقهاء إن العمل ليس شرطاً ضرورياً في الايمان، وهو قول يبقي الخلفاء الامويين المتهمين الظلم والفسق في دائرة الايمان وبالتالي عدم جواز الثورة ضدهم، إنه تأسيس جديد لدولة استبدادية ترتدي جبة منع الفتنة بالحفاظ على وجود الامة ككيان وعلى الإسلام كدين، ويرى الجابري في هذا المنظور اصبح نموذجا للدولة من ذلك الحين إلى اليوم، القبيلة اطاره والغنيمة محركه العقيدة  غطاءه الروحي.

كما اعتبر الجابري ظهور نظرية جديدة وهي الدولة العباسية، وظهور نظرية الامامة في الفكر الشيعي بعد حسم الصراع بين علي ومعاوية لصالح معاوية، كانت له دوافع سياسية واضحة، بدأت تتشكل نوع من المعارضة ضد حكم معاوية، من القرشيين مع ظهور المختار بن ابي عبيدة الثقفي، بداية حركته تشكيل جيش من العامة والاعاجم للثائر لأهل بيت النبي ضد عثمان والامويين، وتحقيق طموحاته السياسية، فالتف حول واحد من أبناء علي بن ابي طالب رضي الله عنه وهو محمد بن الحنفية، بعد أن ذهب المختار للحسن والحسين من اجل استعادة الخلافة ولم يستجيبوا له، لذلك اعتمد المختار على محمد بن الحنفية وبدأ بصنع ميثولوجيا كاملة عن محمد بن الحنفية، وأطلق القاباً كثيراً مثل المهدي ، والوارث لعلوم السر من ابيه، الوصي، مما فتح باباً لانتقال الوصية عبر اشخاص لا تربطهم علاقة في النسب الطبيعي، فادعى أن كل من خدم إماماً من الأئمة أوصي إليه بشيء من السر، وأورثه العلم السري، وهذا ما جعل الناس تعتقد أن الخلفاء العباسيين موصى إليهم وأورثه العلم السري، الأمر الذي فتح باباً في ميثولوجيا الإمامة و أن تعيش وتزدهر في أوساط الشيعة، حافظت المعارضة الشيعية حسب الجابري على أهم العناصر والمفاهيم المكونة لميثولوجيا الامامة، مثل الوصية، العلم السري، البدائه، الغلبة، الرجعة، المهدية، التقية، والعصمة، لدرجة أنهم يرون أن الأئمة معصومين عن الخطأ، وهي مفاهيم تؤسس معارضة سياسية تحرك مخيالهم الاجتماعي السياسي ، وتعبئ الجماهير، مقصدها رفض الهزيمة والانهيار والتمسك بالأمل.

في أواخر العهد الأموي ومن داخل رحم الفكر الشيعي بدأ العباسيين بالظهور وتشكيل النواة والمناصرين لهم، من سلالة العباس عم النبي، واحتاج العباسيين في ذلك لنظرية جديدة تؤسس حكمهم وحدهم، فقالوا إن الإمامة بعد رسول الله كانت للعباس عمه الوارث الحقيقي للنبوة، وادعائهم أن العم أحق بالوراثة من ابن العم، أو أبناء البنات أبناء فاطمة او أبناء على من غير بنت النبي، المقصود محمد ابن الحنفية.

حافظ العباسيون على صورة الإمام لكنهم نزعوا عنها الطابع الشيعي والبسوها الطابع السني، لتصبح منزلة الخليفة تقع خارج منزلة الخاصة، ومن المعلوم ملاحظة التركيبة السياسية التي سادت في الدولة الإسلامي هي التي شكلت مجتمع هرمي الشكل مؤلف من ثلاث طبقات، الخليفة على القمة، حيث أصبح في منزلة لا تضاهيها منزلة فهو شخص اختاره الله، ليتصرف بأراداته الحرة وهو في منزلة تعلو على التشبيه والمحاسبة، في إطار أيديولوجيا سلطانية مطلقة، تضع الخليفة في منزلة الشخص المتأله، والمنزلة الثانية في الهرم الخاصة، وهم الولاة والوزراء والحجاب وقادة الجند والكتاب والفقهاء، الذين كانت مهمتهم خدامة الخليفة وتأسيس منطق الدولة، والإبقاء على الامر الواقع كدليل على المنطق الثوري العباسي، وهنا يقتبس الجابري فقرة لابن المقفع يحدد فيها مهمة الخاصة: ودور الخاصة في الدولة العباسية، طاعتهم في المقروء و يوافقوهم حتى لو خالفوهم وتقدير الأمور على هواهم دون هواك، والتزين لرأيهم وقلة  الاستقباح لما فعلوا حتى إذا أساءا وحسن الستر لمساوئهم  نشكرهم ولا نكلفهم بالشكر، نصبر بالصبر على أهوائهم ولا مؤثراً لمنافعهم وذليلاً إذا ظلموك، راضياً إذا اسخطوك، مطيع الأئمة في كل أمورنا ولا نفتش عن طاعة الله ولا معصيته ولا يكون أحد منا عليهم حسيبا، هم ولاة الأمر وأهل العلم ونحن الأتباع وعلينا الطاعة والتسليم” فالمهمة الأساسية لهذه الشريحة أي الخاصة هي حمل العامة على طاعة الأمير، وفي المرتبة الثالثة في هذا الهرم العامة، وذا كانت طاعة الخاصة للخليفة كما ذكر ابن المقفع فإن العامة عليهم الخضوع للخليفة والخاصة معاً، وعدم معارضتهم وكما يقول الجابري لذلك انتهت السياسة في هذا المجتمع الخاضع الذليل لحكامه.

الادبيات السلطانية

يرى الجابري الادبيات السلطانية التي كانت متبعة وقد شرحها الجابري في كتاب العقل الأخلاقي العربي ويقول عنها إنها الموروث الكسروي في اخلاق الطاعة، وهذه الادبيات تم نقلها في إلى الحكم الإسلامي نهاية العصر الاموي وبداية الحكم العباسي من الموروث الفارسي، وتم ترجمتها للعربية هي تم نقلها عن طريق الكتاب وزاد في وزنها واهميتها اتجاه مماثلة بين الله والخليفة، التي تتحول في الخطاب الادبي إلى مطابقة تخلع فيها على الأمير صفات الألوهية مباشرة، وهذا كان عند الفرس، فالعقل السياسي العربي انطلاقا من الدولة الاموية مروراً بالعصر العباسي وصولاً إلى واقعنا السياسي الراهن هو عقل حقل التفكير فيه محاصراً بأيديولوجيات لا عقلانية، هي أيديولوجيا الجبر، والتفكير الخارجي المستورد من بلاد فارس وميثولوجيا الإمامة والامل ، كما بقيت الممارسة السياسية التي عرفتها الحاضرة العربية الإسلامية تكرر نفسها في إطار محددات أساسية هي القبيلة والغنيمة والعقيدة، مع اختلافات بسيطة بقيت كظاهرات فردية من بعض المفكرين الإسلاميين، كما شببها الجابري الورد في حقول الشوك، لم تغير من طبيعة النظام السياسي العربي حيث بقي الصراع السياسي العنيف والاقتتال هو الحل الغالب بين الفرقاء السياسيين سببه هو:

  • عدم إقرار طريقة واحدة ووحيدة مقننة لاختيار الخليفة
  • عدم تحديد ولاية الخليفة
  • عدم تحديد اختصاصات الخليفة
  • عدم القدرة على محاسبة الخليفة

 

خاتمة   

في النهاية يقول الجابري لتحرير عقلنا من هذه الأطر اللاعقلانية طرح الجابري في هذا الكتاب حلول عقلانية:

  • تعرية الاستبداد والكشف عن مرتكزاته الأيديولوجية والاجتماعية واللاهوتية والفلسفية التي هيمنت على عقلنا السياسي.
  • إعادة النظر في أصول الفكر السياسي الإسلامي وإقرار دستور رئاسي برلماني ينفي ويتجاوز المحددات الفردية التي تحكمت في مسار علقنا السياسي لأن عصرنا الراهن لا يحتمل غير أساليب الديمقراطية الحديثة التي هي إرث للإنسانية جميعاَ
  • إن تركيب عقلنا السياسي لن يكتمل إلا إذا قام الفكر العربي المعاصر بالمهام التالية
  • تحويل القبيلة إلى تنظيم مدني سياسي اجتماعي من أحزاب ونخب ونقابات ومنظمات مجتمع مدني من اجل إيجاد مجال جديد تمارس فيه السياسة ويكون فيه التمايز فيه بين المجتمع والدولة من خلال تطور مجال اقتصادي وسياسي
  • تحويل الغنيمة إلى ضريبة أي تحويل الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد انتاجي في إطار سوق عربية مشتركة تفسح المجال لقيام وحدة اقتصادية بين الأقطار العربية
  • تحويل العقيدة إلى مجرد رأي فبدلاً من التفكير المذهبي الطائفي المتعصب الذي يدعي امتلاك الحقيقة، يجب فسح المجال إلى حرية التعبير وحرية التفكير والاختلاف وبالتالي تحول سلطة الجماعة المغلقة دينية كانت او حزبية او اثنية، وبعث آليات جديدة للتعامل يحركها عقل اجتهادي نقدي
  • القيام بعملية نقدية عملية نقد جذري للمحددات التقليدية القبيلة والعقيدة والغنيمة، للعقل والأصول السياسي الفكري، لأنه بدون ممارسات هذه الأنواع من النقد بروح علمية حديثة سيبقى كل حديث عن الله والتقدم في نفس الوقت حديث آمال فقط.

 

 

 

 

 

 

 

عن ndhb6iU8LS

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *